أنا مرةً طرحت سؤالًا: واحد سافر لبلد، لا أعتقد في سؤال أخطر من أن يقول لنفسه: لماذا أنا هنا؟ سافر لهذه البلدة، وصل بالطائرة، ركب سيارة إلى الفندق، وصل مُتْعَبًا، نام تلك الليلة، واستيقظ في صبيحة اليوم الأول، إلى أين سيتحرك؟ سيتحرك بحسب مهمته، جاء تاجرًا على المعامل، طالبًا على الجامعات، سائحًا على المقاصف والمتاحف والآثار، الحركة لها علاقة بمعرفة المهمة.
أنا أقول: أخطر سؤال تطرحه على نفسك ويجب أن تعرفه بشكلٍ يقيني لماذا أنت في الدنيا؟ لئلا تتجه إلى طريقٍ مسدود، لو لم نجب عن هذا السؤال الدقيق لسرنا في طريق مسدودة، إلى أين أنت ماشٍ؟ يجمع من الأموال الطائلة، حتى إذا أصبح في مرتبةٍ عَلِيَّةٍ ومكانةٍ مرموقةٍ، وحتى إذا سكن هذا البيت الفخم، وهذه المركبة الفخمة، وهذه المكانة العلية يأتيه ملك الموت: تفضل، الآن؟ نعم الآن، الطريق مسدود، جاءه في أزهى لحظات حياته، أما عندما يعرف الإنسان في وقت مبكر لماذا هو في الدنيا؟ يجهد ليل نهار في العمل لما بعد الموت، فإذا جاء ملك الموت، قال: أهلًا وسهلًا، أنا على شوق، أنا أنتظرك.
المشكلة هنا، كلنا سيموت هذه حقيقة، لكن المؤمن يُعِدُّ لهذه الساعة؛ أما غير المؤمن يفاجأُ بها، أعد لكل شيءٍ إلا هذه الساعة، إلا الموت أخرجه من حسابه، أما المؤمن أهمل كل شيء وأعد لهذه الساعة عدتها. ففرقٌ كبيرٌ جدًا بين رجل جاءه ملك الموت، وكان طول حياته يستعد لهذه الساعة، وكما قال الإمام مالك بن دينار وكنيته أبو يحيى، وقد خاطب نفسه قائلًا:"لهذه الساعة كان دأبك أبا يحيى".
سيدنا سعد بن أبي وقاص لما جاءه ملك الموت بكى ابنه:"لِمَ تبكي يا بني؟ إن الله لا يعذبني أبدًا، إنني من أهل الجنة".
الإنسان إن لم يُعَرِّفُ نفسه بربها وإن لم يسمُ بها كان ظلومًا جهولًا: