صيغة (وما كان لمؤمنٍ) هذه ليست لنفي الحَدَث؛ بل لنفي الشأن، ونفي الشأن كما تعلمون أبلغ بكثير من نفي الحدث، وأوضِّح لكم ذلك، إذا قلنا: فلان لم يسرق هذه الليرة، نفينا عنه السرقة، ليس معنى هذا أنه ليس من عادته أن يسرق، هذه لم يسرقها، قد يكون أكبر سارق، أما هذه الليرة ففلانٌ لم يسرقها، نفيت عنه سرقة هذه الليرة فقط، أما إذا قلت: ما كان لفلان أن يسرق، أي هذا مستحيلٌ في حقه، وهذا بعيدٌ عن مقامه، وهذا ليس من شأنه، فهو لا يفكر في هذا، ولا يرضى هذا، ولا يريد هذا، ولا يُعْقَلُ أن يفعل هذا، فأشد أنواع النفي؛ نفي الحدث، ونفي الرغبة، ونفي الإرادة، ونفي القبول، ونفي الشأن، وكل هذه منفيةٌ بهذه الصيغة.
قالوا:
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ (36) }
هذه صيغة نفي الشأن لا نفي الحدث، أي أنه ما دام المؤمن مؤمنًا، فما دام قد عرف الله عزَّ وجل ما كان له أن يفعل هذا، لأن معرفة الله تتناقض مع هذا الفعل، وكيف أن الضوء والظلام لا يجتمعان، ما كان للظلام أن يكون مع الضوء، وما كان للضوء أن يكون مع الظلام، لأنهما متناقضان، فحيثما وجدتم في القرآن الكريم صيغة (ما كان) ، فهذه ليست لنفي الحدث؛ إنها لنفي الشأن، وأبلغ أنواع النفي هو نفي الشأن، أي أن المؤمن لا يعقل أن يفعل هذا، ولا يريد أن يفعل هذا، وليس من شأنه، ولا يتمنَّى، ولا يتصوَّر، ولا يُقْبَلُ منه أن يفعل هذا، هذا معنى قوله تعالى:
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ (36) }
ما هذا الشيء الذي نفاه الله عن المؤمنين أصلًا، قال:
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ (36) }
(ولا مؤمنةٍ) وهذا تابعٌ للدرس الماضي، فلو أن الله عزَّ وجل قال: وما كان لمؤمنٍ أي ولا مؤمنةٍ، لكنه ذكر مؤمنةً ليؤكد لنا أن المرأة مساويةٌ للرجل تمامًا في التكليف والتشريف.
قال تعالى: