ومعنى هذا أن الإيمان درجة أعلى من الإسلام، لمجرَّد أن تخضع لله عزَّ وجل، بصرف النظر عن أسباب خضوعك، وعن درجة خضوعك، وعن دوافع خضوعك، وعن أهدافك من خضوعك فأنت مسلم، لكن الإيمان شيءٌ آخر، الإيمان تصديقٌ وإقبال، لأن الكفر تكذيبٌ وإعراض، ففي الإيمان يوجد شيءٌ فكري وشيءٌ نفسي، أما الإسلام فمادي، فهذه العين يجب أن تغضَّ عن محارم الله لأنها مسلمة، وهذه اليد، وهذا اللسان، وهذه الأذن، فحينما تنساق الجوارح إلى طاعة الله هذا هو الإسلام، ولكن حينما يصدِّق العقل والقلب بما جاء عن الله عزَّ وجل، وحينما يقبل الإنسان على الله عزَّ وجل، فهذا هو الإيمان، الإيمان درجة أعلى فيها جانب فكري وجانب نفسي، الجانب الفكري التصديق، والجانب النفسي الإقبال، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام:
(( ليس الإيمان بالتمني ـ أيْ التشهّي ـ ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب، وأقرَّ به اللسان، وصدَّقه العمل ) ).
[الجامع الصغير عن أنس بسند فيه مقال كبير]
معظم الناس يدعون: جعلنا الله مؤمنين، ويتمنى أن يرزقه الله الجنَّة، وأن يجعله عند حسن ظنِّه، فدائمًا يدعو الله، وهذا شيءٌ جميل، ولكن لا ترى في عمله ما يتناسب مع هذا الدعاء، هذا التمني ـ ولا بالتحلي ـ فإذا كتب أحدهم: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} في محلِّه التجاري فهل صار مؤمنًا؟ وإذا كتب: {بِسْمِِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، ويا رضاء الله ورضاء الوالدين، على مركبته، فهل صار مؤمنًا؟ هذا التحلي، فقد تلبس لباسًا إسلاميًا، وتمسك مسبحة، وتتعطَّر، وتذهب إلى المسجد، وأن تضع في بيتك آيات قرآنيَّة، آية الكرسي، وبعض الآيات، وأن تحتفل بعيد مولد رسول الله احتفالًا جيِّدًا جدًا، وأن تحضر فرقة منشدين، وتأتي بعالِم جليل ليلقي لك كلمة، وتوزِّع الحلويات والملبَّس، ولكن ليس هذا الإيمان، هذا تحلٍ، فهناك تمنٍ وهناك تحلٍ، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: