ولم يحسم هذا الحوار العنيف بين نُعَيْمٍ ونفسه إلا أنه اتخذ قرارًا حازمًا، وقام لتنفيذه، تسلَّل نعيم بن مسعود من معسكر قومه تحت جُنْحِ الظلام، ومضى يحثُّ الخُطى إلى النبي صلى الله عليه وسلَّم، فلمَّا رآه النبي عليه الصلاة والسلام ـ طبعًا هناك حواجز، وهناك حراسة، وهناك من سأله، وهناك من استوثق من نِيَّته الطيِّبة، وهناك من ساقه إلى النبي، فالمسلمون ليسوا هكذا ببساطة، المؤمن كيسٌ فطنٌ حَذِر، ولكن هذه التفصيلات لا تعنينا الآن، فلمَّا رآه النبي عليه الصلاة والسلام ماثلًا بين يديه قال:
"نعيم بن مسعود؟"قال: نعم يا رسول الله، قال:"ما الذي جاء بك إلينا في هذه الساعة؟"قال: جئت لأشهد أنه لا إله إلا الله، وأنك عبد الله ورسوله، وأنَّ ما جئت به حق"، استخدم عقله، فكَّر، ارتفع بهذا التفكير إلى أعلى عليين، ثمَّ أردف يقول:"لقد أسلمت يا رسول الله، وإنَّ قومي لم يعلموا بإسلامي ـ أسلمت بيني وبينك ـ فمرني بما شئت"."
أثر إسلام نعيم بن مسعود في قلب موازين معركة الخندق:
وعندما أسلم سيدنا نُعَيْم أجرى الله على يديه خيرًا كثيرًا للمسلمين يومئذٍ، وأنا أعتقد طيلة تاريخ الدعوة الإسلاميَّة ما مرَّ النبي وأصحابه في مأزقٍ حرجٍ، وضعفٍِ شديد، وكاد اليأسُ أن يتسرَّب إلى قلوب أصحابه مثل ما جرى لهم يوم الخندق، لكنَّه مع المنافقين تسرَّب اليأس إلى قلوبهم، وتمكَّن من قلوبهم، حتَّى إنهم قالوا:
{مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12) } .
أيعدنا صاحبكم أن تُفْتَح علينا بلاد قيصر وكسرى، وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته، أي أن الإسلام بقي له ساعات، وينتهي.