أحيانًا يحج الإنسان، في المسعى، في الطواف، في عرفات يقول: يا رب، أعاهدك على الطاعة، وهذا شيء جميل، ولكنه عندما يرجع من الحج، وعرضت له معصية أو مخالفة، فإذا اقترفها أو يتناسى أنه عاهد الله على الطاعة، ولا يوجد حاج أو معتمر إلا ويعاهد ربه على قائمةٍ طويلةٍ مما كان يعمل قبل أن يتوب، يا رب، لا أعود إلى هذه المخالفة، ولا إلى هذه، ولا إلى هذه، ولا إلى هذه، فإذا إلى بلده، فبعد شهر أو شهرين، تجده قد عاد إلى ما كان عليه، فالله عزَّ وجل يقول: ألم تعاهدني على كذا وكذا؟ فالله يعاتبهم ..
{وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (15) } .
أنت انتبه، فمن تعاهد؟ أنت تعاهد خالق الكون، تعاهد الإله، تعاهد رب العالمين، تعاهد من بيده كل أمرك، من بيده مصيرك، تعاهد مَنْ؟ فإذا اتفق الإنسان مع شخص عادي، يمكنه أن يقول لنفسه: لا تعبأ به، وشق العقد، لكن كلما كان الطرف الثاني عظيما فإلغاء العقد لم يعد قضية سهلة، فعليه ضغط أدبي، وضغط معنوي، فإذا كنت قد عاهدت خالق الكون على التوبة، على الطاعة، على أن تفعل هذه الطاعة، على أن تدع هذه المعصية، هذا عهد الله كان مسؤولا، الآن ربنا عزَّ وجل، يأتي على قدر عقولهم، قال:
{قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ (16) } .
لو فرضنا فررتم، والصحابة قتلوا عن آخرهم، وهؤلاء الذين فروا إلى بيوتهم نجوا من الموت، لكن وبعد ذلك؟ ثم ماذا؟ لا بدََّ من أن يموتوا، لابدَّ من أن يقتلوا بعد حين، إذًا: لو نجوت من الموت مؤقتًا فإنك لا تنجو منه أبدًا، لابدَّ من الموت، كل مخلوقٍ يموت، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت ..
الليل مهما طال فلا ... بدَّ من طلوع الفجر
والعمر مهما طال ... فلا بدَّ من نزول القبر
و:
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يومًا على آلةٍ حدباء محمول