لذلك فالفكرة الأولى: أنه لا يمكن أن تكون بعض المقدسات التي تعارف المجتمع عليها متاريس يَتَّرِسُ بها أهل الضلال، والأمثلة كثيرة جدًا؛ فهناك فاسق فاجر، يفعل المنكرات والقاعدة الأساسية يجب ألا تغتابه، فهو مرتاح، إذًا يفعل وهو مطمئن أنه لن يتحدَّث مسلم عنه بسوء خوفًا من الله عز وجل، لا:
(( لا غيبة لفاسق ) )
[الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه]
لا نسمح لفاسق فاجر أن يتَّرس بحرمة الغيبة، فالفاسق والفاجر لا غيبة له.
أراد مثلًا أن يبيع بيتًا، وهناك خلل في أساسه، فأنت ينبغي لك أن تخبر المشتري، ليس هناك مانع، أن تجعل هذا البيع فاسدًا، وإنسان خَطَب من أسرة، وهو منحرف في سلوكه، وعباداته، وعقيدته، فيجب أن تبلِّغ عنه، أما أن تتخذ من تحريم الغيبة متراسًا لك تَنْعُم به، وأنت على ضلال!! إذ دائمًا القواعد، والمقدسات، والحدود تحمي المؤمنين ولا تحمي غير المؤمنين.
القضية دقيقة جدًا: فالمقدسات والمحرمات والحدود التي حدَّها الله عز وجل هذه إنما شُرِعِت لحماية المؤمنين، لا لأن تكون متراسًا للكفار والمنحرفين. فالفاسق ليس له غيبة، ومجلس ترتكب فيه الكبائر ليس له حرمة، وإنسان يريد أن يغش الناس ليس له حرمة إطلاقًا، فالمؤمن لا تظلمه، ولا تؤذه، ولا تسخر منه، أما حينما يخرج من مظلة الإسلام ويفعل ما يريد، فعندئذٍ يجب أن يلقى جزاء عمله، فهذا معنى قوله تعالى:
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ}
أيجوز أن يقاتل فيه؟ أيجوز أن تسفك فيه الدماء؟ أيجوز أن تسلب فيه الأموال؟ أيجوز أن يؤسر الأسير في الشهر الحرام؟
لن تكون حرمة هذا الشهر سببًا لطغيان أهل الباطل:
قال تعالى:
{قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ}
من حيث المبدأ، ولكن هناك عمل أكبر منه ..
{وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}