إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيِّد الخلق قد اكفهر حاله، ربنا عزَّ وجل في ساعات الشدة، في ساعات التكذيب، في ساعات الاستهزاء، في ساعات الإحباط، وبعد أن ماتت زوجته خديجة، فقد السند الداخلي، ومات عمُّه أبو طالب ففقد السند الخارجي، واشتد إيذاء قريش حتى سُمِّي العام العاشر للبعثة عام الحزن، مَسَحَ الله عنه هذا الحزن في الإسراء والمعراج، عرف مقامه، عرف أنَّه سيد الأنبياء، فقياسًا على هذه القصة، قياسًا على هذا القانون، وهذه السنة إذا عورِضت، إذا كُذِّبت، إذا ضاقت بك الدنيا، إذا اشتد الخصوم، إذا سفَّهوا دعوتك، لا تيأس، لا تقنط، لا تضعف، لا تذِل، لا تستخذي، لا تخنع:
{وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}
(سورة ال عمران 139)
هذه آيات كما قال عنها المفسرون فيها تسليةٌ للنبي عليه الصلاة والسلام، أي إنك لست وحدك أيها النبي، هذا شأن كل نبي، كلهم كذَّبوا، كلهم أوذوا، كلهم اتهموا بالسحر، اتهموا بأنهم مجانين، وقالوا: ساحرٌ مجنون، فمن أنت إذا ناقشت إنسانًا، إذا دعوت إلى الله، فجاء من سفَّهك، وقال: لك مطامح، أنت لك مآرب، أنت لك مرتزق ـ فلا مانع ـ اتهم النبي الكريم بأنه ساحر، بأنه كاهن، بأنه شاعر، بأنه مجنون، فالمؤمن له ميزة، معنويَّاته مرتفعة، قد يكون متعبًا، قد يكون مُعَارَضًا، قد يكون مكذبًا، لكن معنوياته مرتفعة، هذا معنى:
{فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا}
(سورة آل عمران146)