هذه القصة أذكرها، ولا أنساها حتى الموت؛ أحد علماء دمشق حدثني إياها، واطلعت عليها بأصولها، وثبتت لي صحتها، رجل في الخامسة والخمسين من عمره من صعيد مصر، تمنَّى أن يكون عالمًا، وهو لا يقرأ، ولا يكتب، ركب دابَّته، وساقها إلى القاهرة، وفي أحد أزقَّة القاهرة سأل أحد الباعة: أين الأزعر؟ قال له: أي أزعرٍ هذا؟ قل: الأزهر يا رجل، وليس الأزعر، لا يعرف الأزعر من الأزهر، هذا الرجل مشتاق لمعرفة الله، تعلَّم القراءة والكتابة في الخامسة والخمسين، وحفظ القرآن في الخامسة والخمسين، وعاش حتى السادسة والتسعين، وما مات إلا وهو شيخ الأزهر، اسمه زكريا الأنصاري، بدأ طلب العلم في الخامسة والخمسين، لا يقرأ، ولا يكتب، إذا كنت طالبا لله فالله موجود ..
{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}
(سورة العنكبوت)
من لم تكن له بدايةٌ محرقة لم تكن له نهايةٌ مشرقة.
الدنيا ليست ذات بالٍ ولا شأن، نأكل ونشرب وننام، حياة تتكرر، حياة بهيمية لا معنى لها، مملة، الشاب لماذا هو يسعد؟ لأنه متأمَّل ببيت، يرسم في خياله مساحة البيت، هنا غرفة ضيوف، هنا كذا، وبعد هذا يحصل على بيت مساحته سبعون مترًا، يسكن فيه، ويعلل نفسه بسراب الأماني، يتصور الزوجة، ولها مواصفات معينة فيفاجأ بها، وسطًا، زوجته تحددت، وبيته تحدد، أولاده تحددوا، كل الأحلام تلاشت، أما إذا عرف الله عزّ وجل، فرجاؤه ومبتغاه في مرضاة الله، وفي كلها سعادته.