أي أن الكتابُ المنزَّلُ على النبي عليه الصلاة والسلام المُعْجِزُ بنظمه، المتعبَّد بتلاوته، الذي نُقِل إلينا عن طريق التواتر هذا الكتاب من رب العالمين، لا من زيدٍ أو عبيد، قد تدخل إلى مكتبٍه، وترى آلاف الكتب، هذا من مؤلفه؟ الدكتور فلان، وهذا مؤلفه؟ الفقيه الفلاني، البشر يصيبون، ويخطئون، يتفوقون في ناحية، ويتخلَّفون في ناحية، يُبْدِعون في جهة، ويقصِّرون في جهةٍ أخرى، هذا شأن البشر، ولكنك إذا وقعت عينك على القرآن الكريم فهو كتابٌ من نوعٍ آخر، كتابٌ من خالق البشر، لذلك الله عزَّ وجل يقول:
{تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
ومن ربُّ العالمين؟ رَبُّ العالمين الخالق، المُسَيِّر، الرب، أي الذي خلقكم، والذي يتعهدكم بحياتكم المادية والمعنوية، والنفسية والعقلية والروحية، هو الرب يُمِدُّ ويربي، فأقرب اسمٍ من أسماء الله تعالى للإنسان كلمة (رب) ، اسم الرب، لأنه الذي يُربي، لأنه الذي يرحم، لأنه الذي يداوي، لأنه الذي يعطي، لأنه الذي يمنع في الوقت المناسب، لأنه الذي يرفع لحكمةٍ أرادها، والذي يخفض، والذي يبسط، والذي يقبض، والذي يُمد، والذي يُحيي، والذي يميت، والذي يُلقي الخوف أحيانًا، أو يلقي الطمأنينة أحيانًا أخرى، هو رب العالمين.
لكن في قوله تعالى:
{تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
بين المبتدأ والخبر، أو بين طَرَفَيّ الآية جاءت جملةٌ اعتراضية:
{لَا رَيْبَ فِيهِ}
لا يوجد شك، ولا خللٌ، ولا شططٌ، ولا مبالغةٌ، ولا تقصيرٌ، ولا زيادة، ولا نقصانٌ.
{لَا رَيْبَ فِيهِ}