هذا الطائر الذي يطير بجناحين حتى في هذه اللحظة لا يستطيع علماء الطيور أن يعرفوا سرّ هجرتها، بماذا تهتدي؟ أتهتدي بالضوء، حجبوا عنها الضوء فسارت وفق المسار الصحيح، أتهتدي بالتضاريس؟ حجبوا عنها التضاريس، أتهتدي بالتعلم؟ عزلوها عن أهلها، كلما فرضوا فرضية جاءت الوقائع تناقض هذه الفرضية، آخر فرضية لهجرة الطيور أنها تتحرك بإيقاعات خفية من جهة مجهولة، إيقاعات خفية تتحرك من خلالها، هذا الطائر يقطع سبعة عشر ألف كيلو متر، ويصل إلى عشه، أية زاوية يأخذها هو في جنوب أفريقيا، وعشه في دمشق في حيّ الصالحية، في أحد أحيائها القديمة، في بيت عربي قديم، في طرف السقف، كيف ينطلق هذا الطير من جنوب إفريقيا متجهًا نحو الشمال، لو أنه حاد عُشر درجة لجاء في العراق، لو حاد عشرها نحو اليسار لجاء في مصر، لو حاد أقلَّ من ذلك لجاء في مدينة تدمر، كيف يصل الطير إلى عشه الدقيق، وقبل أن يبدأ الطيران يجدد جناحيه تجديدًا كاملًا، وقبل أن يبدأ الطيران يقبل على الطعام إقبالًا عجيبًا، ويطير الطائر ستًا وثمانين ساعة من دون توقف، ولا يزال علم الطيور في بداياته.
قرأت مرة مقالة عن الطائرة، في مقدمة المقالة يقول الكاتب: إن أعظم طائرة صنعها الإنسان لا ترقى إلى مستوى الطائر، زوده الله بعظام مفرغة مراعاة لخفة الوزن، والريشة فيها العجب العجاب، فيها متانة وخفة وزن عجيبة، وفيها إمكان تبديلها باستمرار، وبين الجناحين توازن يأخذ بالألباب، ولهذا الطائر خواص، الهواء الذي يستنشقه الطائر في أثناء الطيران لا يصل إلى رئتيه فحسب، بل يتغلغل في كل أنحاء جسمه، وحتى أظلاف رجليه، لأن هذه القدرة العجيبة في الحركة تحتاج إلى تبريد، وتبريد المحركات علم قائم بذاته، صنع الله الذي أتقن كل شيء، هذا عن الطائر فماذا عن الأسماك؟
الأسماك: