حينما جعل من الشعر، هذه الأداة البيانيَّة الرائعة، جعل منها طريقًا للفسق والفجور، ولدعوة الناس إلى الانحراف والمعصية فله عذابٌ مهين، فإذا آتى الإنسان الله طلاقة لسان، وقدرةً في الشعر، يمكن أن تُستخْدَم في الحق، وهؤلاء المغنين الكبار الذين ماتوا، قرأت عن حياتهم كانوا في أول حياتهم قُرَّاء قرآن، وكانوا مؤذنين، فهذه الطاقة الفنيَّة التي يملكونها لو كانوا وظَّفوها في القرآن، وفي دعوة الله عزَّ وجل لجمعوا بين الدنيا والآخرة، ولكنَّهم آثروا الشهرة الزائفة على طاعة الله عزَّ وجل ..
{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا}
هذا كلام واضح كالشمس، لا يجتمع في جوف المؤمن غناءٌ وقرآن، كلٌ أحدهما يطرد الآخر، فالقرآن يطرد الغناء، أو الغناء يطرد القرآن، فإذا امتلأ جوف الإنسان غناءً لم يبقَ فيه مكان للقرآن، تجده إذا أراد أن يستمع في الإذاعة إلى القرآن يقول لك: اقلب المحطَّة، لا يتحمَّل، يشعر بانقباض إذا سمع القرآن، لأن جوفه ممتلئ غناءً ..
{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ • إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ • خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}
فمن أراد أن يتوسَّع في موضوع الغناء فليعد لتفسير القرطبي في تفسير هذه الآية:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}
والحمد لله رب العالمين