العين فيها عضلة وحشيَّة، عضلة إنسيَّة، عضلة مائلة، حركات العين، حركات الرأس، ملامح الوجه، عضلات البطن، عضلات الظهر، عضلات اليدين، عضلات الرِجْلَين، هذه العضلات من خلقها؟ عضلات ملساء لا إراديَّة، عضلات مخطَّطة إراديَّة، وعضلة القلب عضلةٌ قائمةٌ بذاتها، لأنها تعمل ثمانين عامًا دون كللٍ أو تعب، منذ أن ينبض القلب في الجنين إلى أن يحين الحين وهذا القلب ينبض، يستريح بين النَوْبَتَين راحةً تكفي لزوال حمض اللبن في أجزاء العضلة، هذا القلب يضخُّ في اليوم الواحد ثمانية أمتار مكعَّبة؟! هذه أشياء بديهيَّة إخواننا الأطباء يعرفون ذلك.
لكن في بعض البلاد المتقدِّمة عمرانيًا هناك ناطحات سحاب، بعض العمارات مئة واثنا عشر طابقًا، لو أخذنا ناطحة من ناطحات السحاب مساحتها ألف متر مربَّع، أي قطرها تقريبًا ثلاثة وثلاثون مترًا، مساحة الناطحة ألف متر مربَّع، وارتفاعها ثلاثمئة متر، الإنسان في عمر ستين سنة يملأ هذا البناء دمًا بضخِّ قلبه، فقلب الإنسان في عمر متوسِّط يضخُّ دمًا يملأ هذا البناء الشاهق.
هذا القلب، هذه العضلة التي حار العلماء فيها، هذه من تراب، فيها دَسَّامات، فيها شريان مغذٍ للعضلة نفسها، فيها أوردة، فيها فتحات، فيها أذينين، فيها بطينين، فيها أشياء محيِّرة.
لهذا أيها الأخوة:
{وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) }
لو نظرت إلى إنسان على مستوى العضلات فقط، لولَّيت منه فرارًا ولمُلئت منه رعبًا، أما الإنسان بالجلد؛ غلاف أنيق، محكم، مرن، فيه خلايا دهنيَّة ـ إذا دخل الإنسان إلى الحمام يشعر أنه بحاجة إلى مادَّة دهنيَّة تغلِّف جلده ـ هناك غدد دهنيَّة، هناك أشعار، وغدد تَعَرُّق، ونهايات عصبيَّة للحرارة، والبرودة، والضغط، واللمس، والخشونة، والنعومة، فالجلد لوحده اختصاص قائم بذاته، وأمراض الجلد لا يعلمها إلا الله، وهذا من تراب.