قبل أربعين عاما تقريبًا كان هناك ثانوية في دمشق شهيرة جدًا، فيها قسم ليلي، الآن الثانوية ليس فيها قِسمٌ ليلي، أما أنا فأعرف أنه كان فيها مهاجع في الطابق الثاني، وكان فيها مطعم كبير جدًا، وقاعات مطالعات، وقاعات تدريس، ويوجد مطبخ وطباخون، وموظفون، وموجهون، وقائمون للمكتبة، وموجِّهون ليلًا ونهارًا، هذا الطالب الداخلي ما مهمته الأولى؟ أن يدرس، لذلك بعد الدوام هناك قاعة مطالعة، مكتبة ضخمة جدًا، والطاولات مريحة، والإضاءة جيدة، ومطبخ في الساعة السابعة تمامًا يقرع الجرس، ويذهب الطلاب إلى المطعم ليأكلوا، دققوا! لو أن هذا الطالب ترك قاعة المطالعة، وترك القراءة والدراسة، وذهب إلى المطبخ يتفقد أعمال الطباخين، ماذا صنعتم، هل قشرتم البصل؟ هل فعلتم كذا؟ هذا عمل تافه.
أردت من هذا المثل أن أقول لكم: لا تتشاغل بما ضمنه الله لك عما افترضه عليك،"خلقت لك ما في السماوات والأرض فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك، عما افترضته عليك".
فرضَ الله عليك أن تعرفه، وأن تذكره، وأن تستقيم على أمره، وأن تطيعه، وأن تعمل الصالحات تقربًا إليه، وأن تقرأ كتابه، وأن تحضر مجالس العلم، وأن تفهم أمره ونهيه، وضمن لك رزقًا، فإياك أن تنشغل بطلب الرزق عما افترضه الله عليك!
الإمام أبو حنيفة ـ رحمه الله تعالى ـ يروى أن حديثًا شريفًا غيَّر مجرى حياته! قال: (( من طلب العلم تكفل الله له برزقه ) ).
[ورد في الأثر]
بمعنى أنك إذا سعيت إلى طلب العلم فالله سبحانه وتعالى يأتيك بالرزق من حيث لا تحتسب، لا أقول لكم: لا تسعوا! اسعوا في مناكبها، ولكن بجهد معقول يأتيك أجر يكفيك، لذلك:
{وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}