يقول هذا الكلام خالق الكون، يقول هذا الكلام ربُّ العالمين، إذا قال لك إنسان: أنا أعطيك مبلغًا كبيرًا، وحجمه كله مئة ليرة، وكل ما يملك مئة ليرة، فكلمة كبير مما يملك مئة ليرة لها معنى، إذا قال لك إنسان، وهو يملك مئة ألف: لك عندي مبلغٌ كبير، كلمة كبير من الإنسان الثاني لها معنى آخر، إذا قال لك غنيٌ كبير: لك عندي مبلغٌ كبير، لها معنى ثالث، فإذا قال لك ملك الملوك: لك عندي خيرٌ كثير، فالملك ماذا يعطي؟ يعطي قلم رصاص؟ إذا أراد أن يقدِّم الملك هدية فماذا يقدم؟ ممحاة صغيرة؟ قلم رصاص؟ مئة ليرة؟ كتابًا صغيرًا؟ أم يقدِّم لك بيتًا مثلًا، أو مركبةً فارهةً، أو منصبًا رفيعًا؟ فالعطاء يتناسب مع المعطي، فعندما ربنا عزَّ وجل يقول لك:
{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا}
أنت كمؤمن هذا كلام الله عزَّ وجل، ماذا تفهم من كلمة:
{فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا}
دللت إنسانًا على الله عزَّ وجل، أتعبت نفسك من أجله، بذلت وقتك الثمين، كم سهرت من ليالٍ من أجله؟ كم بذلت من مالٍ تأليفًا لقلبه؟ إلى أن عرف الله، واستقام على أمره:
مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا
{فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}
(سورة السجدة)
أنت تعامل خالق الكون، ولا تعامل إنسانًا عاديًا، شحيحًا، حريصًا، لئيمًا، بخيلًا، ينسى المعروف، يجحد، إنك تعامل خالق الكون ..
{هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ}
(سورة المدثر)
{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا}
هذا الصحابي الذي عَيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام القائد الثالث في معركة مؤتة، والذي مات أخوان له فيها، سيدنا زيد، وسيدنا جعفر، فلما جاء دوره في رفع الراية، ورأى نفسه على وشك الموت المحقق، يبدو أنه تردد فقال:
يا نفس إلا تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت