أعود وأقول مرات كثيرة وأعني ما أقول: من نشأ على طاعة الله عزّ وجل، هذا الشاب الذي نشأ في طاعة الله هذا له مستقبل باهر، له شيخوخة من أعظم الشيخوخات، فإذا عرف الإنسانُ الله في شبابه يزداد وقارًا، و حلمًا، وعلمًا، ومكانةً، واستمتاعًا بكلِّ حواسِّه في شيخوخته، البطولة أن تفكِّر لهذا الأمد البعيد، البطولة إذا أردت إنفاذ أمرٍ تَدَبَّر عواقبه.
فهذا قارون بتقييم الأذكياء كان أحمق، لماذا؟ لأنه بدأ حياته مستمتعًا وانتهى مدَمَّرًا، وكل إنسان لا يفكر في خالق الكون، ولا في أمره، ولا في نهيه، ولا يحَدِّث نفسه بطاعة الله عزّ وجل، ولا يفكر في نهايته ومصيره والدار الآخرة هو كقارون، يعيش لحظته، يعيش وقته، المال بين يديه لابدّ من أن يستمتع به، إذًا:
{فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ}
الإنسان في الدنيا أحيانًا له أعوان، له أنصار، له أقرباء، له أهل حي، له أحفاد، له زُمَلاء، أحينًا يكون له علاقة مع جماعة مؤمنة، مع جماعة غير مؤمنة، أي له انتماءاته هؤلاء يناصرونه على الحق أو على الباطل بشكل أو بآخر، ولكن إذا أراد الله بإنسانٍ شيئًا أبعد الناس كلَّهم عنه، أبعدهم عنه جميعًا، حتى إن أقرب الناس إليه يتخلَّى عنه:
{وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ}
(سورة الحج: من الآية 18)
أعرف إنسانًا كسب المال حرامًا، وكان كسبه لهذا المال على حساب صحَّة الآخرين، وعلى حساب لقمة عيشهم، وأشاد بناءً فخمًا جدًا في أحد أحياء دمشق يُعَدُّ البناء الأول، في سنٍ ليست متقدمة مرض مرضًا عضالًا، فكانوا يأتون له بالطعام، وكلما سأل عن زوجته، لم تستجب له زوجته، من حين لآخر كل عشرة أيام تأتيه زوجته لتلقي على مسامعه أقسى العبارات، ثم ضاقوا به ذرعًا فنقلوه إلى حيٍ آخر في قبوٍ من أقبية الأبنية، وبقي على هذا ثماني سنوات.