هنا آيةٌ دقيقةٌ جدًا، هذا الغني، إذا أراد أن يَغْرَقَ في الترف، أي إذا أراد أن يجعل من بيته قبلَة الأنظار، أن يجعل من أنماط حياته الراقية مسارًا للإعجاب، فماذا يفعل؟ يُفْسِد وهو لا يدري، لماذا؟ لأنه يخلق شعور الحرمان عند الناس، ويخلق فيهم الحسد، والبغضاء، والحرمان، ولذلك فالفقراء إذا رأوا الغني قد أَلَمَّت به المُلِمَّات لماذا يفرحون؟ لما عندهم من حسد وبغض، أما إذا كان هذا الغني متواضعًا، وكان معتدلًا في طعامه وشرابه وبيته، من دون إسرافٍ ولا مخيلةٍ، لا يشعِر الناسَ بالحرمان، ولذلك المبالغة في الترف، والزينة تخلق في قلوب الناس الحسد والضغينة والإحساس بالحرمان، هذا أول أنواع الفساد، لم يفعل شيئًا، لطيف المعشر، رقيق الحاشية، متواضع، لكنه أغرق نفسه في نعيمٍ لا نهاية له، فكُلَّما رأى فقيرٌ هذا البذخ، وهذا الترف، والإنفاق وفي الطعام، وما شاكل ذلك شعر بالحرمان، والصغار، وبالانكماش، وإذا كان غير مؤمنٍ شعر بالحقد، والحسد، والضغينة، هذا هو أول أنواع الفساد، حينما يبالغ الغني في زينته، وعرض ما عنده، حينما يغْرَق في النعيم والترف، والملذَّات، طعامه وشرابه، ورحلاته، ونزهاته، وثيابه، ويعرضها على الناس، ويذكر لهم مصدرها هذه أجنبية، وسعرها، وأنواعها، وكثرة الثياب بالخزانة، فإذا فعل الغني هذا أفسد وهو لا يشعر، وهذا أول أنواع الفساد.
النوع الثاني:
أن يحرم أصحاب الحقوق حقوقهم، وهذا فساد آخر.
النوع الثالث:
أن يأخذ ما ليس له، وهذا أصعب، فإيقاع الإحساس بالحرمان فساد، ومنع الحقوق فساد، وغَصْبِ الأموال فساد.
{وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}