ولو جعل لكم الليل والنهار معًا، هذا أسلوب في البلاغة اسمه اللَّف والنشر، كيف اللَّف والنشر؟ أن تأتي بشيئين أو أكثر، وتعيد على كلٍ منهما بالترتيب، فربنا عزّ وجل قال:
الليل ..
{وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ}
1 -الليل سَكَنٌ وراحة:
النهار .. النهار معاش للسعي، والليل للسكن، لكن الحضارة الحديثة جعلت الآية معكوسة، فأصبح ليل الناس نهارًا ونهارهم ليلًا، وهذا يُسيء إلى صحتهم، لأن ساعة نومٍ في أوَّل الليل لا تعدلها ثلاث ساعات في آخر الليل، فهذه الكهرباء، وهذه أجهزة اللهو التي فيها ما لا يُرْضي الله عزّ وجل يمضي الناس وقتهم الطويل وراءها إلى ساعةٍ متأخرة من الليل، أما ساعات الرحمة، وساعات التجَلِّي، والصلاة، والذكر، وتلاوة القرآن، والأنوار، والدعاء، والتَهَجُّد فالناس فيها نيام.
كنت البارحة في مسجد في صلاة الفجر، فرأيت سبعة يصلون فقط، والمسجد في حي مكْتَظ، فقلت: سبحان الله! كل هذه الأبنية، وكل بناء بخمسة أو ستة طوابق، وكل طابق فيه شقتان أو ثلاث، سبعة أشخاص أو ثمانية، والآن اعمل جولة في مساجد دمشق صباحًا تر قليلًا جدًا، صفًا ونصفًا أكثر شيء، ورَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ) ).
[صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
ولكن أصبح ليلُ الناس نهارا، ونهارهم ليلا، وتصميم ربنا غير هذا، التصميم:
{وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ}
في الليل سكن، وراحة ..
{وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
معنى ابتغاء فضلِ الله في النهار: