إذًا هناك منهج تعاملي، وهناك منهج شعائري، فالمنهج التعاملي أن تكون صادقًا، وأمينًا، ومنصفًا، ووقافًا عند كتاب الله، وألا تؤذي جارك، وألا تغتاب مؤمنًا، وألا تقع في فاحشةٍ، وهذا منهج تعاملي، فإن صَحَّ المنهج التعاملي صح المنهج التَعَبُّدِيّ الشعائري، فيجب أن نفقه هذه الحقيقة، إذ لا معنى إطلاقًا لمنهج شعائري دون منهج تعبدي، وهناك إنسان يأكل الحرام، ويكذب على الناس، ويسخرهم لمصلحته، ويغشّهم في بضاعتهم، ولا يقيم قيمة لوعده، ولا لعهده، إنه إنسان خرق المنهج التعامُلي، فهذا لو وقف ليصلي، فالطرق ليست سالكة أمامه، والخط ليس حارًا، إنه منقطع بينه وبين الله، إذًا لا تصح العبادة الشعائرية إلا إذا صحت العبادة التعاملية، فلذلك الحج عبادة شعائرية، يقول الله تعالى:
{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}
أيْ القَصْدُ طلب مرضاة الله، القصد الإخلاص لله، فإن لم يكن هناك إخلاص فهذه العبادة لا معنى لها إطلاقًا، فإذا صدق أحدهم لينتزع إعجاب الناس، وليحقق مصالحه بالصدق، كما يفعل الأجانب؛ صدقهم، وأمانتهم، وإتقانهم، واحترامهم للآخرين، هذه مصلحة، مصلحتهم في أن يفعلوا هذا.
إذًا هذه عبادة تعاملية تقطف ثمارها في الدنيا ولو كنت كافرًا بمن أرسلها، أما العبادة الشعائرية ليس لها أي مصلحة في الدنيا، الذهاب للحج إنفاق أموال، وتحمُّل مشاق، ومكابدة الحر والقَرّ، ومكابدة الازدحام، وتضييع الوقت، والحرمان من الأهل، والبيت، والعمل، والأقارب. فإن لم يكن الإنسان الذي يحج بيت الله الحرام مستقيمًا على أمر الله، إن لم يكن دخله حلالًا، إن لم يكن تائبًا ما معنى هذا الحج؟ لا معنى له، لذلك من حج بمالٍ حرام، ووضع رجله في الرِكاب وقال: لبيك اللهم لبيك. يناديه منادٍ ويقول له: لا لبيك، ولا سعديك، وحجك مردودٌ عليك.
{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}