قلت لكم سابقًا: غضُّ البصر فيه كلفة، إطلاق البصر طبعٌ، يتمشى مع حب الإنسان لشهواته، إنفاق المال كلفةٌ، قبضه طبعٌ، حبس اللسان عن الغيبة كلفةٌ، إطلاقه في الغيبة طبعٌ، فإذا اعتقدنا اعتقادًا جازمًا أن الطاعة تنفعنا، وأن المعصية تضرنا، ليس معنى هذا أن الطاعة سهلة، والمعصية صعبة، لا، الطاعة مُكْلِفة، والمعصية تتمشى مع طبيعة النفس، ولن ترقى إلى الله عزَّ وجل، ولن تستحق الجنة إلا إذا دفعت الثمن:
فأحبابنا اختاروا المحبة مذهبًا ... وما خالفوا في مذهب الحب شرعًا
يقول أحد العارفين بالله:
فما حبنا سهلٌ وكل من ادعى .. سهولته قلنا له قد جهلتنا
أي أنْ تحب الله عزَّ وجل لا بدَّ من أن تدفع ثمن الحب، أن ترجو الجنة لا بدَّ من أن تدفع ثمنها.
ملخَّص الدرس الماضي: من توهم أن الطاعة تضره، والمعصية تنفعه فهو جاهلٌ جهلًا مطبقًا، وليس معنى هذا أن الطاعة سهلة والمعصية صعبة، المعصية تتوافق مع رغبات النفس الأرضية، مع شهوات الإنسان، والطاعة تحتاج إلى جهدٍ، وإلى كلفةٍ، لكنها تتوافق مع العقل، وفي المدى البعيد، المعصية للحْظَتك مريحة، أما لمستقبلك في الدنيا والآخرة فالطاعة هي المريحة، هذه هي الحقيقة، فربنا عزَّ وجل ردَّ على هؤلاء الذين قالوا:
{وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا}
ردَّ عليهم:
الردُّ الأولُ:
{أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا}
(سورة القصص: الآية 57)
حينما كنتم في المعصية كنتم في حرمٍ آمن، فإذا آمنتم، واهتديتم فهل يعقل أن تفقدوا أمْنَكُم؟ وأن تفقدوا بلدكم وأرضكم؟ هذا هو الرد الأول.
الردُّ الثاني:
أنتم إذا آثرتم مكتسباتكم، ومكانتكم، وأموالكم، وأرضكم، وأوطانكم، وأعرضتم عن الله عزَّ وجل، ثم ماذا؟