والقصة التي تعرفونها جميعًا؛ أن الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه كان يُلْقي درسًا في الفقه مع طلابه، ويبدو أن التكلف مرفوع بينه وبين طلابه، كان متألمًا من رجله فمدَّها مرةً، دخل شخصٌ طويل القامة، عريض المِنْكَبَين، ذو هيئة فخمةٍ، فأُخذ أبو حنيفة بهذا الشخص، فاستحيا أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه، ورفع رجله، هذا الرجل الوقور جلس في حلقته، وفي أثناء الدرس طرح سؤالًا، طبعًا الموضوع في صلاة الفجر، هناك فجرٌ كاذبٌ، وفجرٌ صادقٌ، وهناك طلوع الشمس، وصلاة الفرض بينهما، فقال له هذا الرجل المهيب: يا سيدي، كيف نُصَلِّي الصبح إذا طلعت الشمس قبل الفجر، فنظر إليه وقال: عندئذٍ يَمُدُّ أبو حنيفة رجله، مِن كلمة واحدة حكم عليه أنه جاهل.
لو أن مهندسًا مثلًا قلتَ له: إن هناك شَقًّا في الدعامة الأساسية للبناء، وهذا الشق يتفاقم، قال لك: لا، هذا الشيء لا قيمة له إطلاقًا في البناء، ألا تحكم على هذا الشخص المهندس الذي يدَّعي أنه مهندس أنه جاهل؟ لو قلت له: إن الحديد سعره مرتفع جدًا، ما قولك يا أستاذ لو نلغي الحديد من البناء؟ قال لك: لا مانع، ووجود الحديد أساسًا ثانوي في البناء، ألا تحكم على هذا الإنسان أنه جاهل جهلًا قاطعًا؟ ألم يعرف أن الإسمنت يتحمَّل قِوى الضغط، لكِنَّه لا يتحمل قِوى الشد، فعند الشد لابدّ من تسليح، فأيّ إنسان قد يتكلم كلمة واحدة فتحكم عليه حكمًا قاطعًا أنه جاهل.
لو أن إنسانًا قال لك: أنا مُخْتَص في اللغة العربية، فقلت له: أعرب كلمة جاء المعلِّمون، فقال المعلمون: فاعل منصوب، ما هذا المنصوب؟ المعلمونَ، ألا تحكم على هذا الإنسان أنه جاهل؟ دون مستوى الكفاءة، حتى دون مستوى الابتدائية.