إن قالت لك أمك: أنا متألِّمة يا بني، هل عندك دواء؟ إذا قلت لها: الآن الحصول على الدواء صعب، فالساعة الثانية ليلًا، فقالت لك: لا عليك، وسكتتْ، هل ترتاح إذا نمت في فراشك؟ وأنت تعلم أن هناك صيدليات مناوبة، فلو ذهبت إلى إحدى الصيدليات المناوبة، ولم تجد الدواء، وذهبت إلى الثانية، والثالثة، والرابعة، وعدت إلى البيت، في الحالتين أمك لم تأخذ الدواء، لكنك تنام مرتاحًا، لماذا؟ لأنك فعلت الذي عليك، فقد ارتاحت نفسك، رغم أنَّ الدواء لم يُحضَر، لكن في المرة الأولى شعرت بالضيق.
إن قالت لك زوجتك: ابنك حرارته مرتفعة، فأهملت أخذه للطبيب، فإنك تشعر بالضيق، فإذا ذهبت إلى الطبيب، وقال لك: يجب أن يبقى هكذا حتى الصباح، حتى أعرف بالضبط ما هو الموضوع، فإنك ترتاح، إذًا راقب نفسك تجد أنك لا ترتاح نفسك إلا إذا تصرَّفت وفق الشرع فيما أمرك ونهاك، وأي مخالفةٍ للشرع تعود عليك بانقباضٍ وألمٍ نفسيٍّ لا يوصف، هذه هي الفطرة، وأكبر معين لنا على طاعة الله هو الفطرة، إذا حِدْتَ عنها شعرت بالقلق.
لذلك عيادات الأمراض النفسية في بلاد الكفر تفوق عيادات أمراض الجسد، بل إن النسبة التي قرأت عنها هي مئة وخمسة وخمسون في المئة، أي أن كل إنسان يُعالِج مرة ونصفًا عند طبيب نفسي، بينما أصحاب الأمراض الجسمية مرة واحدة بسبب الشعور بالانحراف.
قد ينجو الإنسان أحيانًا من القانون، لكن هل ينجو من نفسه؟ لا، إنه لا ينجو، إنسان دهس طفلًا في الساعة الثانية ليلًا، لا يوجد شرطة، ولا أحد يتعقبه، أول ليلة لم ينم، ولا الثانية، ثم مضى عليه عشرون يومًا لم يذق طعم النوم، ذهب إلى طبيب نفسي فقال له: ما القصة؟ فقال له: هكذا جرى بعد الحادثة لم أستطع النوم، فأخبره الطبيب أنه لا يمكن أن تنام إلا إذا دفعت دية هذا الغلام، فدفع ديته لأهله من وراء حجاب حتى استطاع أن ينام، إذًا: هذه هي الفطرة، فكلما جاء في القرآن:
{لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}