شيءٌ آخر، في هذه السورة قصةُ سيدنا موسى مع فرعون، وقصة سيدنا موسى مع قارون، ففرعون يمثِّل قوة السلطان، وقارون يمثَّل قوة المال، وتبيّن هذه السورة أن في الكون قوةً واحدة، ألا وهي قوة الله عزَّ وجل، وفي الكون حقيقةٌ واحدة، ألا وهي الحقيقة الإيمانية الكبرى، وفي الكون قيمةٌ واحدة، ألا وهي قيمة الخلق، وكيف أن هذه القِيَم التي جاء بها القرآن، وهذه الحقيقة الكبرى تتصارع مع القوى العاتية، وكيف أن ملخَّص هذه السورة توجزه العبارة التالية: إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ أيْ أنَّ الله عزَّ وجل مثَّل في هذه السورة أقوى قوةٍ يمكن أن توجد على وجه الأرض، مع أضعف قوةٍ يمكن أن توجد على وجه الأرض، طفلٌ صغيرٍ رضيع، وملكٌ طاغيةٌ كبير، وكيف أن هذا الطفل الصغير الذي كان من المفروض أن يُذْبَح دخل إلى قصر فرعون، وتربَّى في حجره، وحينما كبر جاءته الرسالة، ودعاه إلى الإيمان، فلما استكبر وعلا في الأرض مشى موسى ببني إسرائيل إلى البحر، وكيف أصبح البحر طريقًا يبسًا، وكيف خرج سيدنا موسى وتبعه فرعون، فأغرق الله فرعون.
3 -أهمية معالجة الموضوعات بالطريق القصصي:
فهناك حقائق كثيرةٌ جدًا في هذه السورة، وربنا سبحانه وتعالى أحيانًا يعالج الموضوع لا عن طريق الأفكار المجرَّدة، بل عن طريق القصص، ولَعَمْري إن معالجة الموضوع من خلال القصة هي معالجةٌ مثاليَّة، إذْ أن الإنسان أحيانًا قد يرى ذاته في قصةٍ ما، قد يرى الأحداث التي يقرؤها في القصة تحلُّ له بعض الإشكال، فلذلك ربنا سبحانه وتعالى يقول:
{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}
(سورة يوسف: من الآية 111)