وهناك من يتوكَّل على الله في أمْر آخرته، يا ربّ اِهْدِني، واهْدِ بي يا ربّ أصْلِح حالي معك، ويا ربّ ألْهِمني السداد والرَّشاد، وألْزِمني سبيل الاستقامة، هناك من يتوكَّل على الله لِصَلاح أمْر آخرتِهِ، قال: هذا أعلى أنواع التَّوكّل وأسماها وأقْدَسها، وهناك من يتوكَّل على الله من أجل دُنياه، اللهمّ أصْلِح لنا ديننا الذي هو عِصْمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم، فهذا يحتاج إلى زوجة صالحة يأمرها فَتُطيعُه، وينظر إليها فتَسُرُّه، ويغيبُ عنها فتَحْفظهُ، وهذا يحتاج إلى بيت مُشْمس، مساحته مئة وعشرون مترًا، ولكن هناك من يتوكَّل على الله في المعاصي، أحيانًا يتلبَّس بِمَعْصِيَة فإذا كُشِف فالوَيْل له والثُّبور، ويقول: يا ربّ!! فالتَوكّل عام، ولكن هنيئًا لمن كان توكُّله في ما يُرْضيه، في الدَّرجة الأولى لِمَن كان توكّله لأمر الآخرة، وفي الدرجة الثانية لمَن كان توكّله في الدنيا في المباحات المَشروعة، وأحدهم قال لشيخه ـ فاسمع للحوار بينهما ـ أريد أن أعْصِيَ الله، فقال له شيخه: خمسُ أشياء إن فعلْتها لا تضرّك معْصِيَة، فقال له: ما هي؟ قال: إذا أردْتَ أن تعصي الله عز وجل فلا تسْكُن أرضَهُ، فقال: وأين أسْكُن إذًا؟! فقال له: أتسْكُن أرْضَهُ وتعْصيهِ! وتشرب الماء الذي هو من خلْق الله عز وجل، فقال: هاتِ الثانِيَة؟ قال له: إذا أردْت أن تعْصيه فلا تأكل رزْقهُ! فقال: ماذا آكلُ إذًا؟! قال: أتسْكن أرضهُ وتأكل رزقه وتعْصيه؟!! فقال: هات الثالثة؟ فقال: إذا أردْت أن تعْصيهِ فاعْصِهِ في مكانٍ لا يراك فيه! فقال: إن الله بأيّ مكانٍ هو معنا، فقال: أتسْكن أرضهُ وتأكل رزقه وتعْصيه وهو يراك؟! لذلك سيّدنا بلال يقول: لا تنظر إلى صِغَر الذَّنْب ولكن اُنْظر على مَن اجْتَرَأْتَ!