إذا أردت أن يُحِبَّك الناس فتواضَعْ لهم، وإذا أردْت أن تكون طريقهم إلى الله فاخْفِض جناحك لهم، وهذا وصْفٌ، وفي هذه الآية جاء توجيهٌ يُسَمِّيه علماء التفسير تربية الله تعالى للنبي عليه الصلاة والسلام، وقد يأتي وصْفٌ، وقد تكون هذه التربيَة تعليمًا لنا، فكلّ من دعا إلى الله عز وجل لا بدَّ من أن يتواضع للمدعو، إذا أردْت أن تدعو صديقك الذي في العمل إلى الله فاخْفِض جناحك له، واجْلِس معه، ولا تسْتعلِ عليه، ولا تقل له: أنا أعلم، وأنت لا تعلم، فهذا يُنَفِّر قلبهُ منك، دع الحديث عن نفسك كليًّا، حدِّثْهُ عن الله عز وجل، وعن رسول الله واكْتَفِ بهذا، ودع نفْسَكَ في الظَّل، بعيدًا عن الأضواء حتى يُحِبَّك الناس.
النبي عليه الصلاة والسلام تَطبيقًا لهذا التَّوْجيه الإلهيّ العظيم كان يخْصفُ نعْلَهُ بيده، ويخيطُ ثَوْبهُ، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم، بل كان يكْنسُ بيتهُ، ويحلبُ شاته، ويخْدم نفسهُ، إذا كانت الزَّوجة نائمة فاخْدِمْ نفْسَكَ، وكان يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إنّما أنا عبْد آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد ) ).
(الجامع الصغير عن عائشة بسند صحيح)
وفي معظم وقتِهِ كما وصفه العلماء كان في مهْنة أهله، أيْ في خدمة أهله، فإذا حضَرَت الصَّلاة خرج إلى الصلاة، وكانت الأمَة أي الجارية الصغيرة تأخذ بيَدِهِ فتنطلقُ به حيث تشاء، وهذا من تواضعه صلى الله عليه وسلّم، وكان عليه الصلاة والسلام تَطْبيقًا لهذا التوجيه الإلهي يمرّ بالصِّبْيان فَيُسَلِّم عليهم، ولو لم يعرف أسماءهم، يقول: السلام عليكم يا صِبْيان.