الدَّواب معرفة، وكلمة (الدَّواب) ما دُمْتَ قد عرَّفْتَها فالمَقصود دوابّك، أو دوابّ أهْلِكَ، أو دوابّ منطقتك، أما إذا نكَّرْتَها، فهذا تنكير الشُّمول أيْ أيَّةُ دابَّة في الأرض، فحينما جاءَت كلمة (دابّة) نَكِرة معنى ذلك أنَّ هذا التَّنكير يُفيد الشُّمول؛ الدَّواب الأهليّة والوحْشِيَة، والصَّغيرة والكبيرة، الطائرة وغير الطائرة، والنافعة والضارّة، هذه كلّها على الله رزقها.
الاحتمال الثاني:
الآن سوف نُغَيِّر العِبارة: وما دابَّة إلا على الله رزقها، حَذَفنا كلمة مِن! فماذا تعني كلمة مِن؟ لو دَخَلَ الأستاذ على الطُّلاب وقال: ما طالبٌ إلا وسأُعْطيهِ مُكافأةً في هذا الأسبوع، وأمامه خمسة وثلاثون طالبًا، إلا أنَّ خمسة منهم كانوا غائِبين، فهو هنا يقصِد هؤلاء الطلاب، أما إذا أضاف كلمة مِنْ، فهذه لاسْتِغراق أفراد النَّوع واحِدًا وَاحِدًا، وشمَلَ الطلاب الحاضرين والغائبين، فلمَّا ربّنا قال:"وما مِن دابَّة"صار معنى الكلام أنّه أيّة دابّة واحدةً وَاحدةً على الله رِزقها، هنا اسْتفدنا من كلمة"دابة"لأنَّها نكرة، واسْتفدنا من كلمة"مِنْ"لاستغراق أفراد النوع، ولكن لو ألْغَينا الاستثناء والنّفي وقلنا: الدواب على الله رزقها، فماذا يعني النَّفي والاستثناء؟
إذا قلنا مثلًا: شَوقي شاعِر؛ معنى ذلك أنَه شاعر، وقد يكون كاتِبًا، وقد يكون تاجِرًا، وقد يكون موظَّفًا، أما إذا قلت: ما شَوقي إلا شاعرٌ، فأنت قصَرْتَ شَوقي على الشِّعر، وإذا قلتَ ما شاعرٌ إلا شَوقي: قصَرْت الشِّعر على شوقي، وهذا توضيح، قال تعالى:
{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}
(سورة هود)