فهرس الكتاب

الصفحة 12271 من 22028

موقف أهل الإيمان الصحيح من المعصية:

الرأي الأول: كل شيء وقع أراده الله، وأن كل شيء أراده الله وقع:

لكن أهل الإيمان ما رأيهم في المعصية؟ رأي أهل الإيمان في المعصية أن كل شيء وقع أراده الله، وأن كل شيء أراده الله وقع، و أن إرادة الله متعلقة بالحكمة، والحكمة متعلقة بالخير المطلق، فهذا الذي وقع أراده الله، لحكمة بالغة، قد نعرفها، وربما لا نعرفها، لا نقول نحن: إن الله أجبر عباده على هذه المعصية، إذا كان أجبرهم لما يحاسبهم، وما ذنبهم، كما لا نقول: إن هؤلاء العصاة خلقوا أفعالهم، وكأنهم مستقلون عن الله عز وجل، وكأن شيئًا يقع في الكون من مشيئة الله، هذه عقيدة زائغة، وتلك عقيدة زائغة، ولكن أهل السنة والجماعة يعتقدون أن كل شيء وقع أراده الله، لأنه لا يقع شيء بملكه إلا إذا أراده الله، وأن كل شيء أراده الله أن يقع يجب أن يقع، لأن الكون ملكه والدليل:

(للَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ)

(سورة البقرة: 255) .

لا يقع شيء إلا بإذن الله، ومشيئة الله، وإرادة الله، وعلم الله وقضاء الله وقدره، لكن هذا الشيء لماذا وقع؟ هنا السؤال، مادام وقع فقد أراده الله، مادام الله قد أراد شيئًا فلابد أن يقع، لماذا وقع؟ نقول الإنسان أحيانًا قد يريد شيئًا بدافع من قوة قاهرة، وقد يريد شيئًا بدافع من إغراء شديد، وقد يفعل شيئًا لأنه جاهل، لكن الأشياء الثلاثة لا تليق بالله عز وجل، إرادته متعلقة بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق، والدليل:

(قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)

(سورة آل عمران: 26) .

يجب أن تعتقد أن هذا الذي وقع خير، لكن هناك خير مطلق، وخير نسبي، حينما يصاب الإنسان بالزائدة الدودية الخير له أن ينقل إلى المستشفى، وأن يوضع في غرفة العمليات، وأن يخدر، وأن يشق بطنه، وأن يخرج الدم، ويأتي الجراح ويستأصل هذه الزائدة، هذا خير في حق هذا المريض، لذلك كل شيء يقع يعتقده أهل السنة والجماعة أنه خير، خير في حق من وقع في حقهم، وهذا يؤكد قول الإمام الغزالي رَضِي اللَّه عَنْه:"ليس في الإمكان أبدع مما كان"، أي ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني، هذا الموقف المعتدل، موقف أهل السنة والجماعة، موقف أهل الحق، كل شيء وقع أراده الله، كل شيء أراده الله وقع، إرادته متعلقة بالحكمة البالغة، حكمته البالغة متعلقة بالخير المطلق، أنت كمؤمن قد تكشف الحكمة، وقد لا تكشفها، إن كشفتها فقد كشفتها، وإن لم تكشفها اعتقد اعتقادًا جازمًا أن هذا الذي وقع هو في مصلحة هذا العبد، لأن الله سبحانه وتعالى لا يقضي لعباده إلا بالخير لكن العبد المريض الخير في حقه الحمية، والعبد الذي فيه مرض عضال الخير في حقه استئصال هذا العضو المتورم، والخير النسبي بحسب الحالات المرضية.

الرأي الثاني: لا حول عن معصية الله إلا به سبحانه:

هناك نظرة أخرى للمعصية، نظرة أهل التوحيد، أهل التوحيد يقولون: إن القرآن كله جمع في الفاتحة، وإن الفاتحة كلها جمعت إياك نعبد وإياك نستعين، يعني يا رب لا حول عن معصيتك إلا بك، ولا قوة على طاعتك إلا بك، فهذا الذي يقول: أنا مستقيم، هذا وقع في الشرك وهو لا يدري، ماذا تفعل لو أن الله ضعف مقاومتك، ماذا تفعل لو جعل الله مقاومتك للذنوب هشة، تنهار، هذا يؤكده سيدنا يوسف:

(وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ)

(يوسف: 33)

أهل التوحيد يرون أن لا حول عن معصيته إلا به، ولا قوة على طاعته إلا به، وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: لا حول ولا قوة إلا بالله، أهل التوحيد إذا أطاعوا يرون أن هذه الطاعة بتوفيق الله، وبكرم الله، وبحفظ الله، وإذا خالفوا يروا أن هذه المخالفة محض عدالة الله ومحض مخالفتهم هم بسببهم، لذلك إياك نعبد وإياك نستعين، أحيانًا يغفل عن إياك نستعين فتزل قدمه.

لقد أخبرنا ربنا سبحانه وتعالى عن أن النبي المكرم سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، ماذا قال؟ قال:

(وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ)

(سورة إبراهيم: 35) .

هناك افتقار لله عز وجل، هذا رأي أهل التوحيد في الذنوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت