3 -الجبريُّون:
وهناك من يعصي ويعتقد اعتقادًا خطيرًا جدًا أن الله أجبره على هذه المعصية، أخي كله مكتوب، كاسات معدودة بأماكن محدودة، لا تعترض تنطرد، هكذا قدر الله عليه.
هي عقيدة خطيرة جدًا، أن الله عز وجل أجبر عباده على المعصية فهو يعصي وكأنه لم يفعل شيئًا، هكذا قدر الله علي، يقول لك: يعصي، وهو مكلف بالطاعة، مكلف بأن ينتهي عن هذه المعصية بنص القرآن الكريم، والسنة النبوية، وعلماء بلغوه، وسمع خطبًا، وحضر مجالس علم، وعرف كل شيء، ويقول لك بعد هذا: إن الله قدر عليه هذه المعصية، هذا كلام مرفوض، هذه عقيدة أهل الجبر، أهل الجبر، أو الجبريون، يعتقدون أن الله سبحانه وتعالى أجبر عباده على المعصية، وأن الإنسان شأنه مع القدر كشأن ريشة في مهب الريح، و كل ما ارتكب معصية يعزوها إلى الله عز وجل، وبأن الله قدرها عليه، وهو لم يفعل أكثر من أن نفذ أمر الله في هذه المعصية.
عصى الله، ونفذ حكمه، لذلك لمَ جاءه سيدنا عمر رجل شارب خمر سأله لما شربت الخمر؟ قال: يا أمير المؤمنين إن الله قدر عليّ ذلك، فقال رَضِي اللَّه عَنْه أقيموا عليه الحد مرتين، مرةً لأنه شرب الخمر، ومرةً لأنه افترى على الله، وقال: ويحك يا هذا إن قضاء الله لن يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار، الصنف الأول الحيوانيون، بهيمة، والإنسان بلا علم، وبلا معرفة بالله عز وجل شأنه كشأن البهيمة، ولو أردتم مني دليلًا فهذا هو الدليل:
(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا)
(سورة الجمعة: 5) .
(فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ)
(سورة الأعراف: 176) .
(إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا)
(سورة الفرقان: 44) .
(كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ)
(سورة المنافقون: 4) .
هذا أول مستوى، مشهد الإنسان الحيواني، الذي لا يعنيه إلا قضاء شهوته، من أي طريق، بأي أسلوب، من أي جهة، يريد المال والمتعة بأي طريق، الثاني: إنسان مثقف، يرى أن المعصية شيء طبيعي جدًا، شيء من كيان الإنسان، هذه حاجة الله أودعها بالإنسان، يفعل الموبقات، وكأنه ما فعل شيئًا، هو الأصل أن يكون إنتاجه جيد، وكلامه صادق بمعاملة، هذا نوع من المعاصي هؤلاء ينكرون الأديان كلها، ولكن آمنوا بشيء معين من بعض القيم.
أما الصنف الثالث فهو صنف يرتكب المعصية ويعتقد أن الله أجبر عباده على هذه المعصية، لذلك قال الإمام الحسن رَضِي اللَّه عَنْه: من حمل ذنبه على الله فقد فجر، يعني هناك ذنبان، ألم يقل سيدنا عمر أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، لا يكفي أنه فعل هذه المعصية، بل عزا هذه المعصية إلى الله عز وجل، ما من عقيدة أخطر في الحياة من أن ترتكب المعصية وأن تطن أن هذه المعصية إنما أجبرك الله عليها، والرد القاطع بآية محكمة:
(سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ)
(سورة الأنعام: 148) .
فمن تكلم بهذا الكلام فهو بنص القرآن مشرك، حُدّ مرتين:
(سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُون َ)
(سورة الأنعام: 148)
والعلماء قالوا: بمجرد أنك تؤمر وتنهى، فأنت مخير، إذا قلت لإنسان: سر على اليمين معنى ذلك أن الطريق يحتمل يمينًا ويسارًا، وأنت مخير، مجرد الأمر أي أنت مخير.
ودليل آخر: ما من إنسان يوم القيامة كما حدثنا ربنا سبحانه وتعالى إلا ويعترف بذنبه وبخطئه، فلو كان مجبورًا على المعصية لما ندم، ولما استرجع، ولما عوتب، ولما قال:
(يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي)
(سورة الفجر: 24) .
على كلٍ، هذا الحديث تحدثنا فيه كثيرًا، وعولج في دروس كثيرة جدًا، عقيدة أهل الجبر أنهم يعصون الله عز وجل لأن الله قدر عليهم هذه المعاصي، مع أن الله سبحانه وتعالى يقول:
(قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)
(سورة الأعراف: 28) .
أيعقل أن يأمرك الله بشيء، وينهاك عن شيء، ثم يجبرك على أن تفعل هذا الذي نهاك عنه،
ألقاه في اليم مكتوفًا ... وقال له إياكَ إياك أن تبتل بالماء.