يدخل الصيف وينتهي، يدخل الشتاء وينتهي، يدخل العام وينتهي، تدخل المرحلة المعينة خمس سنوات، وتنتهي، وليسأل أحدنا نفسه هذا السؤال: كيف مضت هذه السنون من عمري؟ كيف مضت هذه الأربعون، أو هذه الثلاثون، أو هذه العشرون، أو هذه الخمسون؟ وليسأل نفسه سؤالًا آخر: هل بقي بقدر ما مضى؟ فإذا كان الذي مضى قد مضى فالذي بقي سيمضي، فكلمة كل متوقع آت وكل آت قريب يعني الزمن حينما يمضي ليس في صالح الإنسان، لكنه في صالح المؤمن، مجرد مضي الزمن ليس في صالح الإنسان، كلما تحرك عقرب الثواني ثانية واحدة نقص العمر، كلما مضت ساعة، كلما مضت ليلة، كلما مضى يوم، كلما مضى شهر ... هكذا، لكن:
{وَالْعَصْرِ*إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ*إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}
(سورة العصر)
الوقت، إما أن يستهلك وإما أن يستثمر، كالمال تمامًا المال قد تنفقه فتستهلكه تشتري طعامًا وشرابًا، وتصرف، وتنفق ثمن ألبسة، وحاجات، وألعاب انتهى، هذا مال مستهلَك، لكن المال قد يستثمر في مشروع يدر أرباحًا طائلة، فإذا دفعت المال في مشروع استثماري فإنك بهذه الطريقة لا تستهلكه، وإنما تستثمره، والوقت أثمن من المال، فإما أن تستهلكه، وإما أن تستثمره، فمن تعرف إلى الله وأخلص له، وجهد في طاعته، وبذل من أجله الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، وفي كل حركة وسكنة نوى أن يتقرب إلى الله عز وجل، إما بالتفكر، وإما بالتدبر، وإما بالاعتبار، من جعل حياته كلها في حله وترحاله، في عمله، وفي بيته، في ليله، وفي نهاره ذاكرًا لله عز وجل، إنه بهذا يستثمر الوقت، ولا يستهلكه.