شيء آخر، وهذه فكرة مهمة جدًا: القصة مجموعة حلقات، فربنا سبحانه وتعالى في كل مرة يعيد علينا القصة يبرز جانبًا من جوانبها المتعلق بالسياق العام وبالسورة، لأوضح لكم ذلك بمثال، إذا تحدثنا عن قصة إنسان تزوج، قصة مطولة، واستشهدنا بهذه القصة مرات عديدة، في مرة استشهدنا بهذه القصة على أن طول فترة الخطبة هذا يعكر العلاقة بين الزوجين، وفي مرة ثانية ذكرنا هذه القصة، ولكننا سلطنا الضوء على حلقة أخرى، على أن نجاح الزواج ببيت مستقل، هي قصة طويلة، وفي المرة الثالثة ذكرنا هذه القصة، وأخذنا منها حلقة جديدة لنؤكد بها حقيقة جديدة.
فالذي يقرأ القرآن من غير وعي، من دون تدبر يتوهم أن هذه القصص تتكرر هكذا بلا سبب، مع أن تدبر كتاب الله عز وجل ينبئنا أن كل قصة لهذا النبي الكريم وردت في القرآن الكريم إنما وردت من زاوية جديدة، وإنما سلط الضوء على أحداث فريدة في هذه القصة.
إذًا التكرار أولًا بدافع الرحمة، وثانيًا التكرار في ظاهره تكرار، وفي حقيقته تناول هذه القصة من زوايا متعددة، قد تنظر إلى جبل قاسيون من طريق درعا فله صورة، وقد تنظر إليه من طريق بيروت له شكل آخر، وقد تنظر إليه من طريق حمص، وله شكل ثالث، وقد تنظر إليه من طريق التل، وله شكل رابع، إن تكاتف هذه الزوايا يعطيك صورة مجسدة لهذا الجبل، فهذه الزوايا المختلفة ليست متناقضة، إنما هي متفانية، هذا كلام رب العالمين لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
في هذه السورة سورة الشعراء وردت هذه القصة بشكل خاص، فالله سبحانه وتعالى يقول، وكأنه يطمئن النبي عليه الصلاة والسلام من أن العاقبة للمتقين، وأن لباطل جولة ثم يضمحل، يقول الله سبحانه وتعالى مخاطبًا النبي عليه الصلاة والسلام:
{وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}
قصة موسى مع فرعون: