فلذلك هذا الذي نسي ربه، ولم يعرِّف نفسه بالله عزَّ وجل، ولم يبين لها طريق الحَق، ولم يَعْرف أحكام الله في كل شؤون الحياة، هذا الذي آثر الشهوة على العلم، آثر المصلحة على المبدأ، آثر الحاجة على القيمة، هذا الذي آثر المادة على الروح، هذا الذي آثر ما يفنى على ما يبقى، هذا الذي آثر لذَّته الآنيَّة على سعادته الأبديَّة، هذا أشد أنواع الظلم، لا ينصرف ذهنكم إذا تحَدَّثنا عن الظلم إلى ظلم الخَلْق فقط، بل إن ظلم النفس أشد أنواع الظلم، فهذا الذي عاش في الحياة مسترخيًا من دون أن يفكِّر في عواقب الأمور، من دون أن يفكر في ساعة الموت، في ساعة الحساب، هذا الذي أعطى نفسه ما تشتهي وتمنّى على الله الأماني، هذا ظالمٌ لنفسه:
{وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) }
(سورة البقرة)
هذا أشد أنواع الظلم، فهذا الذي ظلم نفسه سيأتي يوم القيامة ويعض على يديه، العرب كانت تقول: فلانٌ عض على أصبُعِه ندمًا، العض على الأُصبع كناية عن الندم، الندم حالةٌ نفسية، من لوازمها أن يَعَضَّ النادم على أصبُعه، ولكن هنا يقول الله عزَّ وجل:
{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ (27) }
يديه معًا، كلمة على يديه لشدة الخسارة.
الخوف و الندم شعوران ينتابان النفس ويسحقانها:
شعوران ينتابان النفس ويسحقانها، الشعور الأول هو الخوف، والشعور الثاني هو الندم، لذلك ورد في بعض الأحاديث:
(( العار يلزم المرءَ يوم القيامة حتى يقول: يا ربي لإرسالك بي إلى النار أهون علي مما ألقى وإنه ليعلم ما فيها من شدة العذاب ) )
[ورد في الأثر]
عذاب النار حق:
{فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10) }
(سورة البروج)