حدثني أحد علماء دمشق الأجلاء كان في مصر، قال لي: من غرائب الصُدف أنني حضرت موتَ أحد كبار علماء مصر، وهو على فراش الموت، رفع يديه هكذا إلى السماء ومد إصبعيه، وقال:"يا رب، أنا بريء من كل فتوى أفتيتها في المصارف"، فيبدو أنه حينما كان في منصبٍ دينيٍ رفيع أفتى إرضاءٍ لزيد أو عبيد، وأصدر فتوى، وعقب هذه الفتوى أُودع في بنوك مصر ثلاثة وثمانين مليار جنيه، فهذه فتوى خطيرة جدًا، فهذا يعلم علم اليقين أن هذا حرام، وهذا ربًا، ومن أشد أنواع المعاصي تلك التي توعَّد الله بها مرتكبيها بأن يحاربهم:
{فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ}
[سورة البقرة الآية: 279]
مع ذلك هناك فتاوى بأكثر المعاصي، لمَ تصدر هذه الفتاوى؟ من أجل ثمنٍ من الدنيا بخسٍ، فلثمن بخس قليل باع دينه وآخرته. قال:
{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ}
حينما أفتى هذه الفتوى، أو حينما كتم هذا العلم استبدل الضلالة بالهدى.
الله عز وجل بيّن للناس كل شيء:
بالمناسبة هناك قاعدة لغوية بعكس اللغة العامية، لو قلت لكم مثلًا: فلان استبدل التجارة بالوظيفة، ماذا نفهم منها الآن؟ استبدل التجارة بالوظيفة، الآن تاجر أم موظف؟ يحدث التباس، الباء تأتي مع الشيء المتروك، باللغة الفصحى الباء تأتي متأخرةً مع الشيء المتروك:
{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى}
أي باعوا الهدى وأخذوا الضلالة ..
{وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ}
ما الذي يصَبِّرهم؟ يقول الله عز وجل:
{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ}