أمر آخر؛ هذه السورة بأكملها تتجه إلى ترسيخ القيم الخلقية في المجتمع، فالمجتمع دون قيم خلقية مجتمع حيواني، مجتمع بهيمي، تتحكم فيه الغرائز، والانفعالات السفلية، تتحكم فيه النزوات، مجتمع دون قيم خلقية هو مجتمع كالبهائم، لذلك تتجه عناية هذه السورة إلى الأسرة تارة، وإلى القيم الخلقية التي ينبغي أن تسود المجتمع تارة أخرى.
وهذا مثل نضربه للتوضيح: لو أن بيتا فخما بني على أحدث طراز، وأثِّث بأفخر الأثاث، وجهز بكل التجهيزات، فيه كل الأدوات والآلات، لكن لا يوجد في هذا البيت نوافذ، وليس فيه إضاءة، فما قيمة جمال بنائه، وما قيمة جمال أثاثه، وكيف يهتدي الإنسان إلى مداخله ومخارجه، وإلى استعمال أدواته، واقتناء أجهزته، كل ما فيه من ميزات لا تعرف إلا بالنور، لذلك خلق الله سبحانه وتعالى السماوات والأرض، وأنزل الكتاب:
{اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} .
وقال عز وجل:
{اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} .
[سورة الكهف: الآية1]
فكأن الله سبحانه وتعالى بما أنزل علينا من تشريعات، وبما أنزل علينا من كتب، بما بعثه فينا من أنبياء، ورسل، والله سبحانه وتعالى نور السماوات والأرض، لذلك يقول الله سبحانه وتعالى في هذه السورة:
{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} .
فالنور هو الحقيقة التي تصح بها حياتنا، وهو من عند الله، وليست هناك جهة غير الله يمكن أن تأخذ منها الحقيقة، الحقيقة وحدها من الله عز وجل، لأن الله نور السماوات والأرض، فلذلك سميت هذه السورة سورة النور لأن فيها إضاءة لحياتنا.