تروي الكتب ـ والله أعلم ـ أن مغسِّلة كانت تغسِّل امرأة، وهي تغسلها قالت في نفسها: كم من مرة زنت هذه المرأة؟ هكذا تروي القصة، فإذا بيدها تلتصق بجسد الميت، وليس من قوة تنزعها عنها، طال الأمر، مضت ساعة، وساعتان، واليد ملتصقة، فاحتار الناس ماذا يفعلون، أيقطعون يد المغسَّلة؟ الحي أفضل، أيقطعون جزءًا من لحم الميتة؟ فيه تشويه للميت، وقعوا في حيرة، وأخذٍ وردٍ، وسؤال وجواب، ولغط الناس بهذا الموضوع، والأمر في عهد الإمام مالك، حتى قيل: لا يفتى ومالك في المدينة، عرضت هذه القضية عليه فقال: اجلدوا المغسَّلة ثمانين جلدة، ومع الضربة الثمانين فكَّت يدها، لأنها اتهمتها بالزنى في نفسها.
فما قولك وأنت ساكت، وفمك مطبَق، إذا حدثت نفسك أن هذه زانية؟ لقد وقعت في جريمة رمي المحصنات الغافلات، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( ... وَإِنَّ قَذْفَ مُحْصَنَةٍ لَيَهْدِمُ عَمَلَ مَائَةِ سَنَةٍ ) ).
[الحاكم في المستدرك عن حذيفة، والبزار في مسنده، والطبراني في الكبير]
فعلى الإنسان أن يكون دقيقًا، ولا يتسرع، ولا ينقل روايات غير صحيحة غير مؤكدة، فربنا عز وجل علمنا ألاّ تقبل هذه التهمة إلا مع أربعة شهود رأوا حالة الزنى رأي العين، وهذا مستحيل تقريبا، إذًا فالأفضل أن تصمت.
{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} .
وهذا الإنسان يفقد حقه المدني.
فقدان القاذف بالزنا لحقوقه المدنية:
{وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} .
فلا حق له أن يشهد في قضاء، أو شهادة، أو بيع، أو شراء، أو زواج، لأنه رمى محصنة، فلو ذهب ليأخذ لا حكم عليه (براءة من السوابق العدلية يكتب على تلك الوثيقة: إنه محكوم بقذف المحصنات، فشهادته غير مقبولة، ويجب ألا يتوظف، ولا يتحرك، ولا يعقد بيعًا ولا شراءً.