لماذا هم كذلك؟ لماذا هم لا يفعلون ما يؤمرون؟ لماذا هم يدَّعون أن هذه التكاليف فوق طاقتهم، لماذا؟ لماذا يقصرون؟ لماذا ينحرفون؟ لماذا يخالفون؟ لأن قلوبهم في غمرة، أي هم في تيهٍ وعمى، في تيه شهواتهم، إنهم مقبورون في شهواتهم، إنهم غارقون في متاعبهم، إن شهواتهم هي حجبٌ كثيفةٌ بينهم وبين الحقيقة، لذلك:
{بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا}
ما هذا؟ من هذا، هذا اسم إشارة، إلى أي شيء يشير؟ قال: إلى قوله تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ}
هؤلاء قلوبهم في غمرةٍ من أن يكونوا مُشفقين ..
{وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ}
قلوب هؤلاء في غمرةٍ من أن يؤمنوا بآيات الله ..
{وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ}
في غمرةٍ من هذا ..
{وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}
قلوبهم في غمرةٍ من هذا، وبعضهم قال: قلوبهم في غمرةٍ من أن يعتقدوا أن كل الأوامر الإلهية في وسع الإنسان، وصف المؤمنين، ووصف الشرع الحكيم لا ينطبق على هؤلاء لأنهم غارقون في شهواتهم، محجوبون بميولهم، بعيدون عن الحقيقة لأنهم حجبوا أنفسهم عنها ..
{بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا}
أحيانًا تلتقي مع إنسان، تراه غارقًا في شهوته؛ لا يسمع ولا يبصر ولا يعي، على قلبه وَقْرٌ، على قلبه خَتْمٌ، وفي أذنه وَقْرٌ، وعلى عَيْنَيْهِ غِشاوة، فكأنه لا يرى ولا يسمع ولا يعقل:
{لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا}
(سورة الأعراف: آية"179")
{فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}