وقد يسأل سائل: لماذا كانت هذه المعجزة فيما بين موسى وبين ربِّه، ولم تكن أمام الملأ؟ هذه أولًا ليتعرَّف النبي بشكلٍ قطعي أنه نبيٌّ مُرْسَل، وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام حينما جاءه جبريل في غار حِراء، عرف النبي يقينًا أنه نبي وأنه مُرْسَل.
من فقه الفتوى: جواز إجابة السائل بأكثر مما سأل:
وشيءٌ آخر: استنبط العلماء من هذا، حينما سأل الله عزَّ وجل نبيَّه فقال:
{وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى}
فإذا كان الجواب على قدر السؤال ينبغي أن يقول: هي عصًا، فلمَّا قال:
{هِيَ عَصَايَ}
نسبها إلى نفسه .. فاستنبط بعض العلماء أنه يجوز أن يكون الجواب أكبر من السؤال، أو أطول، أو أوسع، لأن النبي عليه الصلاة والسلام سُئلَ عن البحر فقال عليه الصلاة والسلام:
(( هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ ) ).
(من سنن الترمذي عن أبي هريرة)
فالنبي عليه الصلاة والسلام أجاب أكثر من السؤال، وقد ذكرت لكم في الدرس الماضي كيف أن هذا النبي الكريم أراد أن يطيل المُناجاة مع الله عزَّ وجل لما في هذه المناجاة من سعادةٍ لا توصف، فقال:
{هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى}
وكيف أنه قد شعر لعلَّه أطال، وأساء الأدب، فقال:
{وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى}
فإذا كان الله يحبُّ أن يتابع نبيُّه الحديث والحوار والكلام يقول له: وما هذه المآرب الأخرى يا موسى؟ على كلٍ كانت الحكمة من هذا السؤال أن يُلْفِتَ الله نظر سيدنا موسى إلى أن هذه التي بيده هي عصاه، أنها بعد قليلٍ سوف تكون حَيَّةً تسعى، لتكون المفارقة حادَّةً بين ماضي هذه الحيَّة، وبين حاضرها.