سُئِلَ الإمام مالكٌ رضي الله عنه عن هذه الآية فقال:"الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة"، لأن هذا السؤال متعلِّقٌ بذات الله عزَّ وجل، والنبي عليه الصلاة والسلام أمرنا أن نفكِّر في مخلوقات الله، أما التفكُّر في ذاته فقد يودي بنا إلى الهلاك، على كلٍ فهناك مذهب الخلف ومذهب السلف في تفسير هذه الآية ..
السلف الصالح قال:"هذه الآية يجب أن نفهمها من غير تكييف .. أي كيف استوى على العرش؟ ومن غير تحريف، ومن غير تشبيه .. أي هل هو كالملك يجلس على كرسي العرش؟ لا .. ومن غير تعطيل لهذه الآية، ومن غير تمثيل"، لا تمثِّل، ولا تعطِّل، ولا تُشَبِّه، ولا تحرِّف، ولا تكيِّف، هذا مذهب السلف الصالح في فهم هذه الآية.
وأما مذهب الخلف أيضًا فمذهبٌ مقبول، الخلف يقولون:"هذه الآية كنايةٌ عن الاحتواء على المُلْك، والأخذ بزمام الأمور كلِّها"، أي أن الله سبحانه وتعالى محيطٌ بالكون، والله سبحانه وتعالى بيده كل شيء، وتوحيد الربوبيَّة في هذه الآية، فهو الذي خلق، وهو الذي أمدَّ، وربَّي، وأعطى، ومنع، وعَلا، وقَهَر، وأخذ، ورفع، وخفض، فكل شيءٍ بيده.
{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}
استواءٌ بمعنى السيطرة والأخذ بزمام الأمور، هو الواحد القهَّار.
لكنَّ الذي يجذب النظر أن الله سبحانه وتعالى لم يقل: الله على العرش استوى، ولم يقل: القوي على العرش استوى، ولم يقل: الغني على العرش استوى، ولم يقل: الربُّ على العرش استوى، بل قال:
{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}
سرُّ اقتران الاستواء باسم الرحمن:
فأقرب اسمٍ من أسماء الله الحُسنى اسم الرحمة، فهذا الذي خلق الكون رحيم، والذي يحرِّك الأجرام السماويَّة رحيم، والذي يسوق الرياح رحيم، والذي يُنْزِلُ الأمطار رحيم، والذي بيده كل مخلوقٍ رحيم، أي اطمئن أيُّها الإنسان الأمور بيد الرحمن الرحيم ..