{يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا}
فالمَسُّ؛ أن يمسَّك عذابٌ من الرحمن، لِمَ لمْ يقل ربنا عزَّ وجل: إني أخاف أن يمسَّك عذابٌ من الله؟ هذه إشارة إلى أن كل المصائب على وجه الأرض، كل العذاب، كل أنواع العذاب على وجه الأرض إنما في الأساس مبعثها الرحمة، لقوله تعالى:
{فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} .
(سورة الأنعام:147)
تقتضي رحمته ألاّ يردُّ بأسه عن القوم المجرمين ..
{يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ}
فكيف أن المريض الذي التهبت عنده الزائدة، كيف يُفْتَحُ بطنه؟ وتُقطَّع شرايينه؟ وتسيل الدماء على جسده؟ وكيف يُعطى الأدوية المسكِّنة لوجود الآلام المُبَرِّحة، كل هذا بدافع الرحمة، هذا شيءٌ ظاهر يعرفه القاصي والداني، كذلك فكُلّ شيءٍ وقع على وجه الأرض محضُ رحمةٍ من الله تعالى، ومحضُ حكمةٍ، ومحضُ عدالةٍ، ومحضُ علمٍ، في كل شيءٍ وقع على وجه الأرض علمٌ، ورحمةٌ، وعدالةٌ، وحكمةٌ من الله عز وجل، وهكذا:
{إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا}
حينما يستمع الأب مثلًا إلى كلمةٍ نابيةٍ من ابنه لا يسعه إلا أن يؤدِّبه، وقد يوقع به ضربًا مؤلمًا لئلا يعود لمثل هذه الكلمة، فهل نقول: الأب انطلق في هذا الضرب من قسوةٍ في قلبه؟ لا، بل من رحمةٍ على هذا الابن من أن يكبر على عاداتٍ، وأخلاقٍ رَدِيَّةٍ سيِّئة، فغالبًا عند الإنسان الذي يتسم بقلبِ كبير، وتبدو أعماله للآخرين قاسيةً فإنما مبعثها الرحمة، أما الله سبحانه وتعالى فإنه يقول: