{وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ}
وما من شعورٍ مسعدٍ مثل أن يكون الإنسان على استعداد لغدِهِ كأن يأتي الموت، وقد استعدَّ الإنسان له أتم استعداد، وقد عرف ما له وما عليه، وقد أدَّى ما عليه لله عزَّ وجل، عَبَدَهُ، وأطاعَه، وأفنى عمره في طاعته، وفي التقرُّب منه، فجاء الموت فكان من السُعداء، لذلك متى يخشى الإنسانُ الموتَ؟ إذا عَمَّر دنياه، وخَرَّب آخرته، متى يخشى الموت؟ إذا كان يقْدُمُ على حياةٍ لا يعرف عنها شيئًا، متى يخشى الموت؟ إذا حمل من الأوزار ما لا يطيق، لذلك أقْلِل من الذنوب يسهل عليك الموت، أقلل من الشهوات يسهل عليك الفقر، أرسل مالك أمامك يسعدك اللحاق به.
{وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ}
يوم الحسرة هو يومُ القضاءِ:
إذا ارتكب مجرمٌ جريمةً، واستحقَّ الإعدام، وصُدِّق الحكم، وسيق للتنفيذ، وهو يصعد درجات المشنقة، فبكاؤه كضحكه، كرجائه، كدعائه، كتوسله، كلُّها سيَّان ..
{إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ}
الحكم مبرم، ومصدَّق، والتنفيذ بعد دقائق، فهذه المشكلة أن الإنسان في الدنيا أمورُه تُصحَّح، والأخطاء تُغْتَفَر، والذنوب تغتفر، والمعاصي تُسْتَر، الحقوق تؤدَّى، والمظالم تُسَوَّى، كل شيءٍ في الدنيا له حل، أما إذا جاء الموت، وخُتِمَ العمل فليس هناك من حلٍ أبدًا ..
{وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ}
انتهى الأمر، هذه ساعة الحكم المبرم ..
{أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ} .
(سورة الزخرف: 79)
هم اتخذوا قرارًا بأن الدين لا يُجدي في هذه الحياة، هكذا أبرموا أمرًا، إذًا حينما يأتون يوم القيامة ..
{وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}
غرور الناس بمتاع الدنيا وغفلتهم عن يوم القيامة: