هذا هو الشقي، إنّهُ يعرف الحقيقة بعد فوات الأوان، الطالب الكسول يفتح الكتاب ليقرأ الإجابة عن السؤال بعد الامتحان، بعد أن نال الصفر، ما قيمة فهمك لهذا الكتاب الآن؟ ما قيمة هذا الفهم وهذه القراءة؟ فالله سبحانه وتعالى يقول:
{أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ}
أي ما أشدَّ سمعهم، وما أشدَّ بَصَرَهُم، وهذا يؤيِّده قوله تعالى:
{فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} .
(سورة ق: 22)
رؤيةٌ ثاقبة، رؤيةٌ صحيحة، إدراكٌ عميق، فهمٌ دقيق، كشفٌ للحقائق، ولكن متى؟ بعد فوات الأوان ..
{أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ}
ليتَهم أبصروا هذه الحقيقة، وهم في الدنيا، ليتهم عرفوا ربهم، وهم في أَوْجِ قوَّتهم، يوم كان من الممكن أن يُصَحَّح كل شيء، وأن يُفتَحَ مع الله صفحةً جديدة، ليتهم سمعوا، وأبصروا يوم كانوا أحياء بيدهم الدرهم والدينار، به يستطيعون التقرُّب إلى الله عزَّ وجل، به يستطيعون تلافي أغلاطهم، به يستطيعون تكفير سيّئاتهم، ليتهم سمعوا، وأبصروا يوم كانوا في الدنيا، حينما كانوا مخيَّرين، لهم حريَّة الاختيار، أما وقد سُلِبَت منهم هذه الحريَّة، فما قيمة سمعهم وأبصارهم؟.
فهذه النقطة مهمة جدًا، الإنسان في الدنيا باب التوبة مفتوح لَهُ، الأبواب كلُّها مفتَّحةٌ توصل إلى الله عزَّ وجل، الأبواب كلُّها مفتَّحةٌ على مصاريعها في الدنيا، لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحَّتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك ) ).
[الحاكم في المستدرك عن ابن عباس، وابن أبي شيبة في المصنف عن عمرو بن ميمون]
ما مضى فات، والمؤمَّل غيب ... ولك الساعة التي أنت فيها