مرة ضربت مثلًا كنت حريصًا على توضيحه، إن مدرسًا أراد أن يعطي طلابه في الثانوية التجارية درسًا في أصول التجارة، فروى لهم قصة عن رجل اشترى محلًا تجاريًا، في مكان عليه ازدحام شديد، واختار بضاعةً أساسيةً في حياة الناس، واختارها من أجود الأنواع، وجعل سعرها معتدلًا، وباع نقدًا، وكان لطيفًا، فربح أرباحًا طائلة، واشترى بيتًا، وعاش حياةً كريمةً، في بحبوحة ويسر، فأنا أريد أن أنبه هذا الطالب إلى أن أهم ما في التجارة الموقع، ونوع البضاعة، وجنس البضاعة، والسعر المناسب، والمعاملة الطيبة، والبيع النقدي هي عناصر ربح في التجارة، فقال أحد الطلاب لهذا الأستاذ: هذا الذي تحدثنا عنه أهو أبيض، أم أسمر اللون؟ يا أخي لا علاقة في كونه أبيض، أو أسمر، طويلا، أو قصيرًا، هذه الجزئيات ليست لها علاقة في القصة، القصة هادفة، هدفها أن نعلمك أصول التجارة، وأن نعلمك أن التجارة قد تربح من خلالها إذا طبقت هذه الشروط، تقول لي: ما لون هذا التاجر؟ أين يسكن؟ ما نوع الثياب التي يرتديها؟ ما لون الطلاء في دكانه؟ هذه أشياء جزئيات ليس علاقة بالقصة إطلاقًا.
هذا الذي أريد أن أوضحه لكم لما ذكر ربنا عز وجل ذكر أقوال الناس، واختلافهم في عدد هؤلاء الذين سموا أهل الكهف، هو أراد أن يبين هذه الأشياء لا قيمة لها، لذلك بعد هذا النقاش الطويل لم يذكر ربنا عز وجل عددهم، لأنه لا جدوى من ذكر العدد، والعبرة أن تكون كهؤلاء الفتية.
{إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}
العبرة أن تعتزل الناس الفسقة كما اعتزل هؤلاء.
العبرة أن تتكل على الله عز وجل كما اتكل هؤلاء.
العبرة أن تحب الله أكثر من كل شيء، كما أحب الله هؤلاء الفتية.
العبرة أن يكون هؤلاء الفتية قدوة لك في حياتك.
لذلك هذا الذي أتمناه عليكم، وعلى نفسي، كلما تتلون قصة في كتاب الله أن نقف عند مغزاها.