فالإنسان بين أن يأخذ من الشهوة ما أباح الله له، فيرقى بطاعته وشكره، وبين أن يعرض عن الشهوة التي حرمه الله عليه، فيرقى بمأثرته وصبره، في الحالتين ترقى، إذا تزوجت وفق ما أراد الله عز وجل ترقى بالطاعة والشكر، وإذا أعرضت عن الحرام ترقى بالمأثرة والصبر، فهذه الشهوة سبيل دخول الجنة، ولولا الشهوات لما ارتقينا إلى رب الأرض والسماوات، فإذا أودع الله فينا الشهوات من أجل إن يكرمنا، ومن أجل أن تسمو نفوسنا، ومن أجل أن تصبح مؤهلة لتسعد بقربه إلى الأبد.
فلذلك جعل ربنا عز وجل ما على الأرض زينة لها، ونحن نمتحن لا في كل ساعة، بل في كل دقيقة، كلما عرضت لك شهوة فإما أن تقول: إني أخاف الله رب العالمين، فترقى إلى أعلى عليين، وإما أن يسقط الإنسان تحت وطأة هذه الشهوة، فيهوي بها إلى أسفل السافلين، إذًا نحن في امتحان مستمر يؤكد قوله تعالى:
{أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} .
(سورة العنكبوت: 2)
الفتنة: أن يزرع فيك شهوة، ويعرض عليك ما يلبيها، فإما أن تقول: إني أخاف الله، وإما أن يسقط الإنسان في هوة الانقياد للشهوة، فلذلك:
{وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى*فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} .
(سورة النازعات: 40 ـ 41)
ولحكمة بالغة، بالغة جدًا، جعل الله عز وجل، بعض الطاعات مما ينفرد بها الدين فقط، إذ أمرك أن تغض بصرك عن محارم الله، وليس في الأرض كلها تشريع يحرم ذلك، فإذا غضضت بصرك عن محارم الله فهذا لا يفسر إلا بالإخلاص لله، مستحيل أن تغض بصرك خشيةً من إنسان، لأن بني البشر لا يحرمون ذلك.
ولحكمة بالغة أن الدين انفرد ببعض الأوامر، فمن طبقها فهذا مؤشر يقيني قطعي على أنه مخلص لله عز وجل.