حياة المؤمن لا تخلو من تأديب إذا أخطأ، ولا تخلو حياته من ابتلاء إذا هو استقام، مستقيم ويبتلى، ماذا يقول؟ ولا تخلو حياته من إكرام إذا هو صبر في الابتلاء، أي أن الله أدبه فتاب، تاب واستقام، ابتلاه وصبر الآن إكرام، كأن حياة المؤمن فيها تأديب وابتلاءٌ وإكرام، بمراحل ثلاث متداخلة أو متمايزة.
لماذا الابتلاء؟ هنا السؤال دقيق، هذه الآية دقيقة جدًا، هذه الآية خاصةٌ بالمؤمنين، هذه الآية خاصةٌ بمصائب المؤمنين. مصائب الكفار مصائب ردعٍ، أو مصائب قصمٍ، لكن مصائب المؤمنين مصائب دفعٍ إلى الله، ورفعٍ في الدرجات، دفع ورفع، فهناك فرق.
مثال يبين أن مصائب المؤمن مصائب دفع ورفع ومصائب الكافر مصائب قصم وردع:
ذكر لي أحد أخواننا الأطباء الذين يعملون في مستشفى، أنه جاء مريض مصاب بورم خبيث في الأمعاء، يقول لي الطبيب: ما رأيت في حياتي مريضًا راضيًا عن ربه متفائلًا صابرًا شاكرًا كهذا المريض، كلما دخل عليه زائر يقول له: اشهد أنني راضٍ عن الله، يا رب لك الحمد على هذا المرض. قال لي: إذا قرع الجرس يتنافس الأطباء على الدخول عليه والممرضين في خدمته، ما سمعوه يتأوه ولا يتألم علمًا أن آلام هذا المرض لا تحتمل، بل رأوه صابرًا مستبشرًا ورائحته طيبةٌ عطرة. قال لي: والله عشنا عدة أيام ونحن في جنة مع هذا المريض ـ المصاب بورم خبيث في الأمعاء ـ ثم توفاه الله عز وجل. قال لي: لحكمةٍ بالغةٍ بالغة، ولدرسٍ بليغ أراد الله أن يلقنه لمن في المستشفى، جاء مريض آخر بالمرض نفسه ـ ورم خبيث بالأمعاء ـ قال لي: لم يبقَ هناك نبي لم يسبه، كلمات الكفر لا تخلو من شفتيه، رائحته نتنة، عصبي المزاج، هرب الممرضون من خدمته، تحاشى الأطباء أن يدخلوا عليه، ثم مات ـ المرض واحد ـ المرض نفسه؛ شخص كان مبعث جذب للناس، مريض مبعث راحة لهم، وكان متفائلًا ومستبشرًا، والآخر بالعكس.