طبعًا الأب الشاب، هناك آباء لا يزالون في سن الشباب أو الكهولة يتمتعون بصحة جيدة، ومكانة علية، ومال وفير، هم يقدمون كل الإحسان إلى أولادهم، المشكلة أعمق من ذلك:
{إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا}
تجاوز عمر الأب ثمانين عامًا، وتراجعت قواه الجسمية والعقلية، وصار يعيد القصة مئات المرات، وصار ذا طبيعة فضولية، يبتغي أن يعرف كل شيء، وأن يحشر أنفه في كل شيء، وصار يكثر من النقد، وصار له ثقل في البيت:
{إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا}
بلغ سنًا كبيرةً، وهو عندك في البيت لأن الذي يأتي عند أبيه في الأسبوع مرة ليقبِّل يده ويسأله رضاه، قضية سهلة جدًا، أن يكون لك بيت مستقل، يسير وفق ما تريد، وأبوك عند أخيك الأصغر، أو الأكبر تذهب إلى بيت أخيك في الأسبوع مرة لتقدم واجب بر الوالدين، وتأتيه بهدية صغيرة، تقبل يديه، وتسأله عن صحته، ماذا فعلت؟ لكن الأب إذا كان في البيت، وكان له طلبات كثيرة، وانتقادات كثيرة، وكان له طباع لا ترضاها، فمع طباعه التي لا ترضاها، ومع طلباته الكثيرة، ومع إلحاحه الشديد، ومع تدخلاته في شأن غيره، ومع انتقاده الذي لا يحتمل، في هذه الحالة الصعبة:
{إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ}
هنا البطولة، أقل شيء أن يخرج نَفَسُك بصوت! لا أعتقد أن هناك أقلّ من هذه الأف، لا يوجد تعبير عن الضجر كأن يخرج النَفَس بصوت، تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، هذه ليست شهادة، هذه ضجر، وكلمة أف أقل من الشهادة، نَفَس عادي، الزفير مع صوت، أف بمعنى الضجر، وجدته قد بلل ثيابه، وقبل ساعة نظفته، وألبسته ثيابًا جديدة، لم يمض ساعة قال العلماء: إذا وضعت ثوبك على أنفك فهذه بمستوى أف! رائحة كريهة، هذه من الكبيرة، وكنت منزعجًا منها فهي مثل أف تمامًا!