فسيدنا عمر رَضِي اللَّه عَنْه حكم على هذا القاتل بعد أن اعترف وأقر، والقصة طويلة، أن يقتل، لكن المحكوم عليه بالقتل طلب مهلة ثلاثة أيام، كي يذهب إلى أهله، ليعطيهم مالًا كان قد خبأه لهم، وليودع أولاده، وليكتب وصيته، فقال له عمر: ومن يضمنك؟ نظر إلى من حوله، بقي الجميع ساكتين، لا أحد يعرفه، ليس من المدينة، فلم يتكلم أحد، لأنه لا أحد يعرفه، فما كان من أبي ذر رَضِي اللَّه عَنْه إلا أن قال: أنا أكفله يا أمير المؤمنين، والكفيل قد ينفذ فيه حكم القتل، ومضت الأيام الثلاثة، وحضر الشابان ليشهدا مقتل قاتل أبيهما، لكن الرجل لم يحضر، إلى أن كادت الشمس أن تغيب، ثم غابت، وكاد سيدنا عمر ينفذ حكم القتل في أبي ذر، لأنه الكفيل، ثم لاح بالأفق شبح بعيد، انتظروا، فإذا الرجل الذي عاهد الله أن يعود ليقتل، وهاهو ذا قد عاد، قبيل تنفيذ حكم الإعدام، سأله عمر: يا هذا، لِمَ وفيت بوعدك وأنت تعلم أنه القتل؟ فقال هذا الرجل: إنما جئت ووفيت بوعدي لئلا يقال: إن الوفاء قد مات.
عندئذ التفت سيدنا عمر إلى أبي ذر رَضِي اللَّه عَنْه وقال: يا أبا ذر لِمَ ضمنته، وأنت لا تعرفه؟ فقال سيدنا أبو ذر: إنما ضمنته وأنا لا أعرفه لئلا يقال: إن المروءة ماتت، وعندئذ قال الشابان: ونحن عفونا عنه، فقال عمر رَضِي اللَّه عَنْه: لمَ عفوتما عنه؟ فقالا: لئلا يقال: إن السماحة ماتت.
وفاء، ومروءة، وسماحة؛ وفاء بالذي ذهب، وعاد ليقتل، ومروءة بهذا الصحابي الجليل الذي ضمنه، وسماحة من هذين الشابين، لأنهما ما أرادا أن يكون الرجلان أكثر سماحة ووفاء ومروءة منهما!!!
أيها الإخوة الأكارم ... لو أخذ الناس بهذه الثلاثة؛ بالوفاء والمروءة والسماحة، ما كان بينهم جائع، ولا عريان، ولا مغبون، ولا مهضوم، ولأقفرت الجفون من المدامع، ولاطمأنت الجنوب في المضاجع، ولمحت الرحمة الشقاء، كما يمحو نور الصبح الظلام.