العام الماضي كان عندنا أخ كريم من إخواننا، وكنا مدعوين معه إلى نزهة، فما تمكنا إلا أن ندفنه قبل أن نذهب إلى النزهة! الموت قريب جدًا، والإنسان يقول: أنا ـ إن شاء الله على أول الصيف أغير الأثاث، هل أنت ضامن أن تصل إلى أول الصيف؟ فمن عدَّ غدًا من أجله فقد أساء صحبة الموت.
قال لي رجل: أنا أريد أن أترك التعليم، كان مدير ثانوية خاصة، وسوف أبحث عن طريقة أعير نفسي إلى دولة عربية، ذكر لي اسم الجزائر، قال لي: هناك قرب أوربة، وفي الصيف لا آتي إلى بلدي، أُمضي أول صيفية في فرنسا، أنظر معالمها، وأماكنها السياحية، ومتاحفها، وفي الصيفية الثانية في إنجلترا، والصيفية الثالثة في إيطاليا، والرابعة في سويسرا، ذكر لي خمس سنوات إعارة، قال لي: أعود ويكون معي رأسمالي، آخذ محلًا تجاريًا، ويكون أولادي قد كبروا، أبيع فيه بالتحف، وهكذا خفيف نظيف، أجلس وأتقاعد، وكفى، والله الذي لا إله إلا هو من فمه إلى أذني، كنت عنده، وكان عندي ساعة فراغ، جلست عنده، فقال لي ذلك، الظهر انتهت ساعاتي فذهبت إلى البيت، لي عمل في المدينة مساء، وأنا في طريقي إلى البيت مشيًا على الأقدام وجدت نعوته على الجدران، أول سنة في فرنسا، الثانية بإنجلترا، الثالثة بإيطاليا، الرابعة بسويسرا ... ومساء كان من أهل الآخرة.
قالوا: من جاوز الأربعين فقد دخل في أسواق الآخرة، إذا ذهب واحد إلى نزهة خمسة أيام، أول يوم في غاية السرور، ثاني يوم، ثالث يوم، رابع يوم، يفكر في الرجعة، بجمع الأغراض يؤمِّن المواصلات، أليس كذلك؟ فاليومان الآخران يتجه التفكير فيهما إلى العودة، إلى تأمين الركوب، إلى تأمين الحاجات، إلى تأمين جمع الأغراض، إلى إجراء الحساب، هذه في الأيام الأخيرة، فنحن إذا دخل أحدنا في الأربعين كأنه دخل في أسواق الآخرة، فيجب أن يكون أكبر همه الآخرة، كيف يعد العدة للقاء الله عز وجل.