أيْ أنهم ازْوَرُّوا عنه، أعرضوا عنه، جعلوا كلامه وراء ظهورهم، فلم يبالوا بالإقبال عليه، وما هابهم الانقطاع عنه، ورغبوا في رضاه، كل هذا جعلوه وراء ظهورهم.
{مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُم}
طبعًا الأعمال الساذجة، أو الأعمال التي لا شأن لها ولا قيمة الأعمال التافهة هذه لا تُذْكَر لا عند الناس ولا عند الله، ولكنَّ المقصود من هذه الآية أعمالهم الكبيرة، هذه الإنجازات الضخمة التي يزعمون أنها ضخمة.
{أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ}
رياحٌ هوجاء تثير العواصف والأتربة، حفنةٌ من رماد وُضِعَت في مهبِّ الرياح، أين هي؟ تلاشت، وربنا عزَّ وجل في آياتٍ أخرى يقول:
{وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا}
(سورة الفرقان)
وفي آيةٍ أخرى:
{أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا}
(سورة النور: من الآية 39)
أيْ أنَّ هذه الإنجازات الضخمة التي يتبجَّح بها الكفَّار لا شأن لها عند الله، لا قيمة لها عند الله، لا تُسْعِدُ أصحابها يوم القيامة، يبحثون عنها فلا يجدونها.
لو أن طالبًا وقف أمام امتحانٍ شفهي وطُرِحَ عليه سؤالٌ دقيق، فلم يملك الإجابة عنه ووَقَعَ في حرجٍ شديد، وصار مصيره بالنجاح مهدَّدًا، ثم تذكَّر أنه البارحة تناول طعامًا طيِّبًا، وأمضى في إعداده الساعات الطِوال، هذا العمل أو صنعه لهذا الطعام الطيِّب، واستهلاكه وقته الثمين في إعداد هذا الطعام، فهل يستطيع هذا العمل الذي قام به البارحة أن ينجِّيه مِن هذا المأزق الحرج؟ لا يستطيع، هؤلاء الكفَّار لهم أعمالٌ ضخمة بمقياس الناس، فالفراعنة الذين أشادوا الأهرامات أين هم؟ ما قيمة هذا الإنجاز الضخم إن كان صاحب هذا الإنجاز يُعَذَّبُ على أعماله السيئة؟