فهرس الكتاب

الصفحة 8498 من 22028

هناك غدير ماءٍ فيه سمكاتٍ ثلاث؛ كيَّسةٌ وأكيس منها وعاجزة، مرَّ بالمكان صيَّادان، نظرا في الغدير فأبصرا ما فيه من السمك، أُعْجِبا بالسمك، تواعدا أن يرجعا ومعهما شباكها ليصيدا ما فيه من السمك .. هذه القصَّة رمزيَّة .. فسمعت السمكات قولهما، أمَّا أكيّسهن أي أعقلهن فقالت: العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها .. هذا العاقل .. فلم تعرج على شيءٍ حتى خرجت من المكان الذي يدخل منه الماء من النهر إلى الغدير فنجت وارتاحت وأراحت، وأما الكيَّسة أي الأقلُّ ذكاءً فبقيت في مكانها حتى عاد الصيَّادان، فذهبت لتخرج من حيث خرجت رفيقتها فإذا بالمكان قد سُد فقالت: فرَّطت، وهذه عاقبة التفريط، غير أن العاقل لا يقنط من منافع الرأي، ثم إنها تماوتت فأخذها الصيَّادُ، فوضعها على الأرض بين النهر والغدير ليأخذها عند فراغه، فوثبت في النهر فنجت، وأما العاجزة فلم تزل في إقبالٍ وإدبارٍ حتى صيدت .. قال عليه الصلاة والسلام:

(( الْكَيِّسُ ـ أي العاقل ـ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ ) ).

[الترمذي عن شداد بن أوس]

وهذا معظم حال المسلمين، تجده يقول: الله يتوب علينا، نحن عبيد إحسان، ولسنا عبيد امتحان، ماذا سنفعل؟ حتى الله يتغمَّدنا برحمته، هذا كلام فارغ، هو مقيم على شهواته كلها، مقيم على معاصيه كلها، ليس مستعدا أن يتحرَّك نحو الحق، ليس مستعدًا أن يتوب إطلاقًا، لكن كلامه لطيف ومحذّر، قال

(( لَقَدْ خَلَقْتُ خَلْقًا أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، فَبِي حَلَفْتُ لأُتِيحَنَّهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ مِنْهُمْ حَيْرَانًا ) ).

[الترمذي عن ابن عمر]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت