فهرس الكتاب

الصفحة 8393 من 22028

هذه الآية من الآيات البليغة، أي أن الحياة الدنيا كأرضٌ يأتيها ماءٌ المطر فتنبت الحشائش والأزهار والثمار، ويصبح البستان مزدانًا قشيب الحلة يأخذ بالألباب، يفرح صاحبة، تغمره النشوة، يتخيَّل كيف سيبيع محصوله بأغلى الأسعار، ويقبض ثمنه، ويشتري بثمنه .. مثلًا .. قطعة أرضٍ ثانية، أو بيتًا في الحي الفلاني، أو سيارةً فارهة، وهو في أحلامه، وهو في خواطره المسعدة ..

{أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ}

وكمثال آخر: قد يشتري إنسان محلًا يزيِّنه، يُدَوكره، يعتني فيه، يفتتح المحل فترسل إليه باقات الورد تعبيرًا عن التهنئة، يداوم فيه شهرًا أو شهرين، يُلصق النعي على المحل، ومازالت أول ميزانيَّة لم تظهر عنده بعد، ما عرف أرباحه هذه السنة، ما عرف حجم أرباحه، ما قبض المسحوبات، جاءته المنيَّة فعاجلته، فالحياة الدنيا هذا شأنها ومثلها .. هذه الآية متعلِّقة بمتاع الحياة الدنيا ..

{يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}

أي أن محصِّلة هذا البغي لن تستطيعوا أن تستفيدوا منها إلا في الحياة الدنيا، وهذه هي الحياة الدنيا، أمطارٌ، أعشابٌ، أزهارٌ، رياحين، أشجار مثمرة، فرح ثم يأتي أمر الله عزَّ وجل فيجعل عاليها سافلها، ويقبض صاحبها فلا يستطيع الاستفادة منها بل يدفع ثمن عتوه وانحرافه فيها غاليًا، وكأن الله سبحانه في هذه الآية نفسها قد أنبأنا عن ظروف الدنيا آخر الزمان فقال:

{حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت