كلَّما توسَّع التقصير يرتاح المُقصِّر:
قال تعالى:
{وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا (109) }
ذلك ليستعيدوا توازنهم، هم حينما كفروا اختل توازنهم، لأنهم خالفوا فطرتهم، خالفوا جبلَّتهم، فلمَّا رأوا المؤمنين ملتزمين، منيبين، محبِّين، متعاونين، سعداء فهذا الشيء مقلق، فتمنوا أن يختل توازنهم وأن يعودوا كفَّارًا.
حدَّثني رجل يعمل في التجارة كان مُسرفًا في المعاصي، ذهب إلى بيت الله الحرام وحجَّ وتاب إلى الله، فلما عاد إلى بلده كان في جَلْسةٍ مع أصدقائه القُدامى ـ وهذا خطأٌ كبير ـ قال له أحدهم: اشرب. قال: أنا تبت إلى الله. قال له: كم كلَّفتك الحجَّة؟ قال له: حوالي خمسين ألفًا، قال له: هذه خمسون ألفًا واشرب. هذا سلوك يومي، يريد المنحرف أن يجعل كل الناس منحرفين، الكذَّاب يريد أن يجعل كل الناس كاذبين، الذي يخون الأمانة يريد أن يحمل الناس جميعًا على خيانة الأمانة، هذه حقيقة، فالمنحرف يودُّ أن ينحرف الناس معه كي يستأنس، كي يشعر أن كل الناس هكذا.
لذلك أحيانًا تسأل طفلًا: أين الوظيفة؟ يقول وهو لا يشعر: لم نكتبها يا أستاذ. أنت كم واحد؟ يريد أن يوسِّع التقصير، فكلَّما توسَّع التقصير يرتاح المُقصِّر، كل الناس هكذا، والإنسان عندما يبحث عن تغطية لخلله يبحث عن القصص المنحرفة، زيد فعل كذا، لمَ لمْ تبحث عن القصص الأخرى؟ يأتي بقصَّة أن فلانًا انحرف، وفلانًا انحرف، وفلانًا انحرف ليرتاح، كأنه بهذا يشعر أن الناس كلهم هكذا، مع أن هناك أدلَّةٌ قويَّةٌ جدًا بالمقابل، فلان استقام، وفلان استقام، وفلان صدق.
الله جلّ جلاله يجعل من المؤمن داعيةً دون أن يشعر: