يروي التاريخ أيها الأخوة أن قاضيًا من كبار القضاة في بعض العهود الأموية اتصل بالخليفة طالبًا منه أن يعفيه من منصبه، فلما سأله عن السبب، قال له: والله طُرق بابي البارحة فإذا بطبق من الرطب، وأنا معروف عند أهل البلدة أنني أحب الرطب في بواكيره، سألت الغلام: من جاء بهذا الطبق؟ قال: رجل، قال: صفه لي؟ قال: هو كيت وكيت، أي هكذا أوصافه، فعلم أنه أحد المتخاصمين عنده فردّ الطبق، في اليوم التالي يقول هذا القاضي: واللهِ لما دخل علي المتخاصمان تمنيت أن يكون الحق مع الذي قدم الطبق، مع أني لم آخذه، فكيف لو أخذته؟ هذا العدل، حتى التاريخ الحديث يروي أن بلدًا كبيرًا جدًا في أوربا عقب الحرب العالمية الثانية، وقد دمر كل شيء، وقف رئيس الوزارة يسأل وزيرًا وزيرًا، سأل وزير الصناعة: كيف الحال عندك يا فلان؟ قال له: المعامل كلها محروقة، سأل وزير الزراعة؟ قال له: الحقول كلها محروقة، سأل وزير الخزانة قال له: والله الخزانة فارغة، سأل جميع الوزراء، فلما وصل إلى وزير العدل قال له: كيف العدل عندك يا فلان؟ قال له: العدل بخير، فقال: كلنا إذًا بخير.
قيمة العدل كبيرة، في العالم الإسلامي ظلم لا يعلمه إلا الله، ظلم من أب لأولاده، من زوج لزوجته، من صاحب عمل لعماله، الظلم والتفرقة من أسباب هلاك الأمم، لذلك عدل ساعة خير من عبادة ستين عامًا، ويروى في الكتب ـ وللمغزى فقط ـ أن حجرًا ضج بالشكوى إلى الله، قال: يا رب عبدتك خمسين عامًا وتضعني في أس كنيف؟ فقيل: تأدب يا حجر إذ لم أجعلك في مجلس قاض ظالم.
أكبر إنجاز للمؤمن أن ينام مساء دون أن يظلم أحدًا:
حينما نعدل نستحق النصر، وحينما نظلم لا نستحق نصر الله عز وجل، ماذا قال اليهود لعبد الله بن أبي رواحة؟ قال: بِهَذَا قَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ. عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَال: